يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [1] .
وعليه فإنه يفرق في صيغ عبارات الحديث بين ما يكون قد خرج عنه صلى الله عليه وسلم مخرج الإنشاء أو الخبر أو كان مجرد ظن أو محض رأي، فأما الظن والرأي فلابد وأن تكون الصيغة تدل على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم - كما تقدم -"لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا"أو"مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا"، وأما إذا كانت الصيغة بأسلوب الإنشاء تحمل أمرا أو نهيا فذاك شرع بإجماع، وأما الخبر فهو يخبر بما هو حق ولا جدال في ذلك كذلك، قال عنه الشاطبي"كل ما أخبر به رسول الله صلي الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر، وهو حقٌّ وصدق معتمد عليه فيما أخبر به وعنه، سواء انبنى عليه في التكليف حكم أم لا .. ، لأنه صلي الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة، وما ينطق عن الهوى" [2] .
وما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التبليغ عن ربه يأخذ حكم العصمة من التحريف أو التبديل أو النسيان وقت بلاغه، ثم يأخذ ما قاله - بعد البلاغ الأول - حكم العصمة بالنسبة لمجموع الأمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كبشر له أن يتذكر أو ينسى، بيد أن الأمة في مجموعها كفيلة بأن تحفظ الذكر من النسيان، فعن عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَارِئًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا، آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا [3] ، وقد حصل ذلك كذلك في موطن الصلاة، فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَتَرَكَ آيَةً فَجَاءَ أُبَيٌّ وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَوْ أُنْسِيتَهَا قَالَ لَا بَلْ أُنْسِيتُهَا [4] ، إذن لابأس من نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، طالما أن ثمة من يذكره بها من الصحابة، فقد ثبت الذكر بمجرد تبليغه به لأمته أول مرة، فتكون هذه الحادثة تأكيد على ضرورة جمع القرآن الكريم، وصحة جمع الصحابة له بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد، ليكون هذا الجمع معصوم من الخطأ، فقد خص الله تعالى هذه الأمة بالعصمة من الضلال، وتلك الميزة تختص بها تلك الأمة عن سائر الأمم، وذلك لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة" [5] ، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم"لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس" [6] ، قال
(1) رواه مسلم 12 ص 52 رقم 4356
(2) الشاطبي: الموافقات ج 4 ص 464
(3) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج 1 ص 219، ورواه البخاري في صحيحه ج 15 ص 455 رقم 4650
(4) رواه أحمد ج 43 ص 166 رقم 20216 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: ج 6 ص 78 رقم 2579
(5) رواه أحمد في مسنده ج 55 ص 211 رقم 25966، وغيره، وصححه الألباني الجامع الصغير: ج 1 ص 273 رقم 2729
(6) رواه مسلم ج 10 ص 40 رقم 3548