النووي في الشرح"يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبى صلى الله عليه و سلم إلى الآن ولا يزال حتى يأتى أمر الله المذكور في الحديث وفيه دليل لكون الاجماع حجة وهو أصح ما استدل به له من الحديث" [1] .
ومن جهة أخرى فقد قسم العلماء السنة النبوية المطهرة باعتبار علاقتها بالقرآن إلى سنة مفصلة لما أجمله القرآن، فتخصص عمومه، وتقيِّدُ مطلقه، فمثلا الأمر بالصلاة جاء مجملا في القرآن ومفصلا في السنة، وسنة مبينة لما أغمض من ألفاظ القرآن مثل تحديد المقصود بالحجاب للمرأة، وكذا لفظ"القرء"، وسنة مكملة مثل أحكام الكفارات لمن أفطر في رمضان، وسنة مستقلة لتأت بحكم لم يرد في القرآن كتحريم لحوم الحمر الأهلية، أما من قال بنسخ القرآن بالسنة فقد أورد الزرقانيّ أمثلةَ القائلينَ بِنَسْخِ القرآنِ بالسنّةِ وأجاب عنها:"من هذا العرض يخلص لنا أن نسخ القرآن بالسنة لا مانع يمنعه عقلا ولاشرعا، غاية الأمر أنه لم يقع لعدم سلامة أدلة الوقوع كما رأيت" [2] ،ولسنا بصدد تفصيل القول في هذه المسألة.
قال تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَأَىَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (11 - 18)
بينت الآيات كيف تلقى النبي صلى الله عليه وسلم الوحي من جبريل عليه السلام إجمالا، وفصلت السنة ذلك تفصيلا، وذلك من خلال ذكر صفات المعلِّم وهو جبريل عليه السلام والتي تمثلت في (العلم، شديد القوى، ذو مرة، مستوي، مكانه بالأفق الأعلى، دنوه للمتعلم منه، قربه الشديد من المتعلم، تبليغ الوحي دون زيادة أو نقص) ، تفصيل ذلك على النحو التالي: -
ففي قوله تعالى (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) إظهار لأهمية التلقي في طلب العلم، و أن العلم يتوارث بتلك الطريقة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [3] ، روى مسلم بسنده إلى محمد بن سيرين أنه
(1) شرح النووي على مسلم ج 13 ص 67
(2) الزرقاني: منهال العرفان في علوم القرآن ج 2 ص 190
(3) رواه البخاري ج 1 ص 50 رقم 100