الصفحة 31 من 67

يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض [1] ، وقال"هذا يدل على شدة الوصلة والارتباط بين القلب والبصر ولهذا يقرأ الانسان ما في قلب الاخر من عينه" [2] ، وقال ابن القيم رحمه الله"وعند هذه الآية أسرار عجيبة وهي من غوامض الآداب اللائقة به صلى الله عليه وسلم تواطأ هناك بصره وبصيرته وتوافقا وتصادقا فيما شاهده فلمواطأة قلبه لقالبه وظاهره لباطنه وبصره لبصيرته لم يكذب الفؤاد البصر ولم يتجاوز البصر حده فيطغى ولم يمل عن المرئي فيزيغ بل اعتدل القلب في الإقبال على الله والإعراض عما سواه فإنه أقبل على الله بكليته وللقلب زيغ وطغيان كما أن للبصر زيغًا وطغيانًا وكلاهما منتف عن قلبه وبصره .... فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عال رفيع: أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه ألا ترى إلى موسى لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة: طلبت نفسه الرؤية ونبينا لما أقيم في ذلك المقام وفاه حقه: فلم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه ألبتة" [3]

كما بينت السنة أدبه صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج بعدما انتهى إلى سدرة المنتهى وقبل أن تفرض عليه الصلاة لما تناول إناء من لبن ورفض الخمر، ففي الحديث"ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ ...." [4] ، وفي رواية"فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ فَقَالَ هُدِيتَ الْفِطْرَةَ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَمَّا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ" [5] ، قال تعالى (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) {الروم/30} ، ولم يتناول الخمر، وقد نعته (أم الخبائث) [6] ، حيث يُسكر العقل، ومن ثم ينفتح بابا من الشر لأن يقترف شاربها كل المحرمات، وهذا من أقوى وسائل الشيطان للتلبس بالإنسان والسيطرة عليه، يقول سبحانه"وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" {الزخرف/36} .

وفي قوله تعالى (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قَالَ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ [7] ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قَالَ رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ" [8] وقال ابن جزي"يعني ما رأى ليلة الإسراء من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء

(1) ابن القيم: روضة المحبين ج 1 ص 263

(2) ابن القيم: مفتاح دار السعادة ج 1 ص 105

(3) ابن القيم: مدارج السالكين ج 2 ص 382 - 383

(4) رواه البخاري ج 12 ص 273 رقم 3598

(5) رواه مسلم ج 1 ص 396 رقم 245

(6) رواه النسائي في سننه ج 8 ص 315 رقم 5666 وصححه الألباني هذه الرواية موقوفة على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وحسنه مرفوعا من رواية الطيالسي عن ابن عمرو انظر الجامع الصغير ج 1 ص 566 رقم 5655 - وانظر السلسلة الصحيحة ج 4 ص 469 رقم 1854

(7) رواه مسلم ج 1 ص 408 رقم 255

(8) رواه البخاري ج 15 ص 104 رقم 4480

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت