إذن مسألة عبادة الأصنام هذه ليست مسألة تاريخية انقضت حقبتها قبل الإسلام وحسب، وإنما هي خطر لا يزال يتهدد عقيدة التوحيد وسوف يعود الناس لعبادتها قبل يوم القيامة، فما هي اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟
وأول الطريق لدحض هذه العقائد الباطلة تأمل ما يؤمنون به من خزعبلات، قالوا: اللات مؤنث لفظ الجلالة، والعزَّى مؤنَّث العزيز، والمناة أيْ التي تحقق للإنسان أمانيه [1] ، فكانت اللات رمزا للعطاء عندهم والرزق، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ {اللَّاتَ وَالْعُزَّى} كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ [2] ، ولت السويق هو خلطه بالسمن وعجنه، قال الزجاج كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم فسمى الصنم اللات، وقال مجاهد كان يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه [3] .
وأما العزى فمشتقة من العزة، ورمزا للعزة، وطرفا في الثالوث الإلهي الذي يجمعها مع اللاتو ومناة، ولما انتصرت قريش في أحد صاح أبو سفيان قائلا:"أُعْلُ هُبَل" (أي علا دينك) فقال المسلمون:"الله أعلى وأَجَلّ"فقال أبو سفيان:"إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ"فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا تُجِيبُوا لَهُ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ قَالَ"قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ" [4] ، وقد كانوا يحلفون بالعزى وغالبا ما تكون معطوفة على اللات فتراهم يقولون:"واللات والعزى"، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال"مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" [5] .
وأما مناة الثالثة الأخرى فهي واحدة من الثالوث من أشهر أوثان الجاهلية، وقد اعتقد قسم من الجاهليين أنها ابنة العزى وأخت اللات، وقد كانت في نظر الجاهليين إلهة خيرة معطاءة مغيثة، إلا أن المفارقة العجيبة هي كونها إلهة المنايا والموت في نفس الوقت لأن اسمها مشتق من كلمة مَنِيَّة، فعن عُرْوَةَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، .." [6] ."
(1) موسوعة النابلسي تفسير سورة النجم الآيات 19 - 23
(2) رواه البخاري ج 15 ص 106 رقم 4481
(3) ابن الجوزي: كشف المشكل من حديث الصحيحين ج 1 ص 577
(4) رواه البخاري ج 10 ص 243 رقم 2812
(5) رواه البخاري ج 15 ص 107 رقم 4482
(6) رواه البخاري ج 15 ص 109 رقم 4483