الصفحة 36 من 67

فكأنهم بهذا الثالوث الوثني يعبدون من يرزقهم ويعطيهم ويمن عليهم ويعزهم ويمنع عنهم الشر وبيده الموت ويحقق لهم الأماني، قال تعالى (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) {العنكبوت/17} ، قال ابن عجيبة"هذه الأصنام موجودة في كل إنسان، فاللات: حب اللذات والشهوات الجسمانية الفانية، فمَن كان حريصًا عليها، جامعًا لأسبابها، فهو عابد لها، والعُزى: حب العز والجاه والرئاسة وسائر الشهوات القلبية، فمَن طلبها فهو عبد لها، ومناة: تمني البقاء في الدنيا الدنية الحقيرة، وطول الأمل فيها، وكراهية الموت، فمَن كان هذا وصفه فهو عبد الدنيا، كاره لقاء الله، فيكره اللّهُ لقاءه، فتوجه لهؤلاء العتاب بقوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر} حيث تُحبون ما هو كمال لأنفسكم [1] ."

والحقيقة أن الغاية من عبادة الأصنام"تقديس الشيطان"، ذلك أن الشيطان ليضل ابن آدم يتمثل في شيء مقرب إليهم، ولا يقدر أن يتمثل في صورة نبي ولا ملك، ولذلك يقول العلماء أن"رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام حق ولا يتمثل الشيطان به، وكذلك جميع الأنبياء والملائكة" [2] ، فإذا تعذر عليه ذلك فإنه يلجأ لأن يتمثل في صورة شيء آخر محبب إليهم، فيدعوهم لرسم التصاوير ونحت التماثيل لمن يحبون ويقتدون، ثم يتمثل في هذه الأصنام، ثم يخيل إليهم أنها تسعى وتقضي حاجاتهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية"يَتَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي يُدْعَى وَيُعْبَدُ فَيَظُنُّ دَاعِيهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى أَوْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ صَوَّرَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِهِ فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ مَثَلًا يَدْعُو فِي الْأَسْرِ وَغَيْرِهِ مَارّ جرجس أَوْ غَيْرَهُ فَيَرَاهُ قَدْ أَتَاهُ فِي الْهَوَاءِ وَكَذَلِكَ أُخَرُ غَيْرُهُ وَقَدْ سَأَلُوا بَعْضَ بَطَارِقَتِهِمْ عَنْ هَذَا كَيْفَ يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ فَقَالَ: هَذِهِ مَلَائِكَةٌ يَخْلُقُهُمْ اللَّهُ عَلَى صُورَتِهِ تُغِيثُ مَنْ يَدْعُوهُ وَإِنَّمَا تِلْكَ شَيَاطِينُ أَضَلَّتْ الْمُشْرِكِينَ [3] ."

وفي قوله تعالى"أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى"استنكار لانخداع ضعاف النفوس بحيل الشيطان، فهي من البساطة بمكان لأن ينتبه المرء لها، إذ كيف ينسبون لله تعالى البنات وينسبون لأنفسهم الذكور، لا شك أنهم ظالمين في قسمتهم هذه، قال سبحانه (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) {النحل 58/ 59} ، فهي قسمة غير عادلة في شأن البشر فكيف يقسمونها لله تعالى!"فيدعون من دون الله ملائكة يعدونهم إناثا، وهم يستحقرون الأنثى في البشر، ويسمون الملائكة بأسماء الإناث مدعين أنهم بنات الله متخذين لهم صورا من الأصنام يدعونها لذلك إناثا كاللات والعزى ومناة ويتعبدونها آلهة ... وما يدعون بذلك الشرك إلا ذلك شيطانا" [4] .

(1) ابن عجيبة: البحر المديد ج 6 ص 176

(2) شرح السنة للإمام البغوي ج 12 ص 228

(3) مجموع الفتاوى لابن تيمية ج 17 ص 456

(4) حسن الترابي: التفسير التوحيدي ج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت