والشياطين تلجأ لهذه الحيلة حتى تجذب البشر لعبادتها سواء أكانوا ذكورا أو إناثا، إذ لو أطلقوا على الأصنام أسماء الذكور أو تمثلوا لأوليائهم في صورة ذكور لأفزع ذلك الإناث، ولأن صورة الأنثى محببة لقلب الرجال والنساء على السواء، فإن ذلك يحمل الشياطين -في الغالب- أن تتمثل في أنثى ويخيل إليهم أنها ملائكة وأنها بنات الله، ومن هنا يشرع الشيطان في حبك مكائده بأن ينسب هذه الأصنام للملائكة بأنها بنات الله تعالى، قال تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) {النساء/117} .
وفي قوله تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) الإجابة القرآنية الكاشفة لسبب انتشار هذه المعتقدات الباطلة، فالأمر لا يعدو أن يكون مجرد توهمات أضفى عليها الشيطان شيئا من التزييف والتضليل للإيحاء بصدق عبادتها، واستخدم عاملا الوقت والبيئة لحبك حيله على ابن آدم، فكلما مر الوقت وهم على هذا الزيغ والزيف كلما قل احتمال كشف خدعته وثبتت في عقول الأجيال المتعاقبة، حتى وإن كان الأمر مريبا عند آبائهم فإنه ينقلب عقيدة راسخة في قلوب أبنائهم، فيكشف القرآن الكريم للأبناء ما وقع فيه الأباء من ضلالات، ويهديهم إلى طريق الحق، وذلك بأن بين لهم ضرورة الرجوع في الأشياء لأصلها، فالقاعدة في هذا الأمر هي البراءة الأصلية، أي أن الأصل في الأشياء أنها غير مطلوبة على وجه الإلزام والوجوب، فأنت في الأصل حر ولست مدين بشيء لغيرك، فلماذا تداين نفسك بغير دليل خلافا للأصل، وهو ما يمكن تفسيره في مجال العبادات بعبارة أخرى، أن الأصل في العبادة المنع، بمعنى أنه لا يلتزم المرء بعبادة معينة ما لم يأتيه الدليل القاطع على شرعيتها، فإن لم يتأكد من ذلك فإنه يعود إلى الأصل، فيظل برئيا من أي دين للديان، ولا يجوز له أن يخترع عبادة لم ينزل الله بها سلطان، أي لم يأت بها الشرع، ونظير ذلك قوله تعالى"ءأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) {يوسف/39 - 40} ."
والدليل على ذلك ظاهر من تسميتها، فمن أين جئتم بتسميتكم لها؟ فبالبحث تبين أنكم ليس لديكم شرع في عبادتها، كما ثبت بالدليل اختراعكم لأسمائها، قال الرازي (لو قالوا"ما سميناها، وإنما هي موضوعة قبلنا"، قيل لهم"كل من يطلق هذه الألفاظ فهو كالمبتداء الواضع"، وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء -الأباء- لما لم يكن واضعًا بدليل عقلي لم يجب اتباعه، فمن يطلق اللفظ لأن فلانًا أطلقه لا يصح منه، كما لا يصح أن يقول أضلني الأعمى ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به .. والأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها ... فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها) [1] .
(1) تفسير الرازي ج 14 ص 418