ونفي السلطان عنها يعني نفي الحجة أي الدليل القاطع غير القائم على الظن، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ [1] ، قال ابن تيمية: (السُّلْطَانُ هُوَ الْحُجَّةُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [2] ، وقال ابن حجر"وأصله من التسلط وهو الغلبة" [3] ، وقال الزَّجّاج: وسُمِّي السلطان سلطانًا؛ لأنه حُجَّة الله في أرضه، .. فالآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظَّنْ، وبين الدَّلائل التي تفيد اليقينَ، وأمَّا السُّلطانُ فهو اسمٌ لما يُفيد القطع واليقين" [4] ، ومن جهة أخرى فالسلطان كلمة تحمل على الإلزام والالتزام، فكل ما نزل من عند الله تعالى بالوحي فهو سلطان يعني"شرع"واجب العمل به، وما لم ينزل فليس بشرع، وإنما هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فتأمل الأصل في الأشياء كما ذكرنا."
ولهذا جاءت عبادتهم لهذه الشركيات عن إتباعهم للظن وهوى في النفس لا عن استقامة منهم على الحق، واستقصاء للأدلة، وإظهارا للحجج، وقد جاءهم من ربهم كتاب منير ورسول مبين يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم، قال ابن تيمية: (فَتَبْدِيلُ النَّاسِ لِلْأَسْمَاءِ لَا يُوجِبُ تَبْدِيلَ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهَا أَسْمَاءٌ سَمَّوْهَا وَآبَاؤُهُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، كَتَسْمِيَةِ الْأَوْثَانِ آلِهَةً، فَإِنَّ خَصَائِصَ الْإِلَهِيَّةِ لَمَّا كَانَتْ مَعْدُومَةً فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ حَقِيقَةٌ) [5] .
قال الشيخ أبو زهرة:"والتعبير عن الحجة بـ:"سلطان"إشارة إلى معنى أن هذه الأوثان وما شابهها لا قدرة لها ... ، ومهما يكن فإنهم يعبدونها بالأوهام المسلطة من غير سلطان من حجة أو دليل، ومن غير أن يعرفوا بالعيان أن لها سلطانا في الأفعال أو التوجيه في الكون، إنما هي الأوهام التي تصورها صالحة للعبادة مع الله تعالى لا شريك له [6] ، ومن فتن آخر الزمان نزول الدجال فتكون له قدرة على خداع الناس فيخدعهم بالضر والنفع، لكن الله تعالى يعصم أولياءه أن يقعوا في خدعه، يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى جُفَالُ الشَّعَرِ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ" [7] ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالْآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ فَإِمَّا أَدْرَكَنَّ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلْيُغَمِّضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ [8] ، وهذا كله من الفتن التي لا يميزها إلا المؤمن بالله تعالى، وقد قال عنه صلى الله عليه وسلم"فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ
(1) رواه البخاري ج 14 ص 314
(2) الفتاوى الكبرى ج 1 ص 145
(3) فتح الباري ج 1 ص 133
(4) اللباب في علوم الكتاب ج 9 ص 159
(5) الفتاوى الكبرى ج 6 ص 43
(6) الشيخ محمد أبو زهرة: زهرة التفاسير سورة الأنعام الآية 33 ص 2824
(7) رواه مسلم ج 14 ص 161 رقم 5222
(8) رواه مسلم ج 14 ص 162 رقم 5223