الصفحة 23 من 32

هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من هذا النوع الذي ذمَّه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( مَن أحَبَّ أن يتمثَّل له الرجال قيامًا، فليتبوَّأْ مَقعده من النار ) )" [1] ."

وعلى القائد أن يعي بأن ليس كل مخالف له في الرأي يوضع في جهة الأعداء، وإنما الغلظة والشدة تكون لمن يحارب مشروع المجموعة التي ينتمي لها القائد، حربًا معلنة أو خفية، ومن يريد أن يحطم أحلامهم، فهذا هو العدو، وأما المخالف له في الرأي مهما كان، فإنه ليس عدوًّا، وإنما يحترم رأيه، ثم يوضح له الحق.

والاختلاف في الرأي يكون على نوعين:

• الأول: اختلاف التنوع: وهذا النوع يكون إيجابيًّا؛ لأن فيه إضافة لفكر المجموعة، وزيادة في نتاجها، وفيه احترام لآراء الآخرين، وعدم مصادرتها؛ فهي بالتالي تصُبُّ في المصلحة العامة للجماعة، ووجود حالة اختلاف التنوع فيه وجوه:

-ربما كان أحد الآراء صحيحًا، فيكون ذلك الرأي السديد منارًا للبقية؛ من أجل أن يصححوا ما كانوا يؤمنون به في الاتجاه الصحيح.

-وربما لا يكون أي من الآراء صحيحًا، فتجتهد المجموعة عندها من أجل الوصول إلى الحق، وهو ما تسعى له مع قائدها.

-أن تكون الآراء كلها، أو بعض منها، صحيحة، وعند وجود آراء متعددة صحيحة يكون الاختلاف هنا في درجة الصحة، فيقدم الأكثر صحة، ثم الأصح، ثم الصحيح، وبذلك يقوم القائد بوضع آلية للأولويات، وتتعلم الجماعة فقه الأولويات.

• الثاني: اختلاف التضاد: وهو الاختلاف السلبي، الذي يؤدي إلى تمزق الجماعة، وتفرُّق أفرادها، أو تنشأ من وجوده العداوة والبغضاء بينهم، ثم تتحول هذه إلى الكراهية والكيد، وهو اختلاف مرفوض تحت أي عنوان أو ذريعة.

17 -الألم على حال مَن يقودهم إذا كانوا في حالة سلبية: إن القائد الحقيقي هو ذلك الذي يحترق قلبه وتلتهب أحشاؤه ويَعِزُّ عليه أن يرى أبناء جلدته في أزمة، وأي أزمة أشد على العقلاء من الضياع والبُعد عن منهج الله جل جلاله؟! وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه

(1) زاد المعاد، ابن قيم الجوزية، ج 3، ص 304.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت