فهرس الكتاب
وسلم، حريصًا أشد الحرص على من معه؛ قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، وحين يَعِزُّ على القائد أن ينحرف قومه عن جادة الحق، ويتيهوا عن الهدف، فإن ذلك يعني أن قلبه يرق لهم؛ فهو رؤوف بهم، رحيم بحالهم، فيتعامل معهم على أساس هاتين الخَصلتين، قال فخر الدين الرازي في تفسيره: (فإنه بحال يشق عليه ضرركم، وتعظُمُ رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم؛ فهو كالطبيب المشفِق والأبِ الرحيم في حقكم، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسُرُ تحملها، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذقٌ وأن الأب مشفقٌ صارت تلك المعالجات المؤلمة متحمَّلة، وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان، فكذا ها هنا، لما عرفتم أنه رسول حقٌّ من عند الله، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة؛ لتفوزوا بكل خير) [1] .
بل ذهب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لأبعدَ من ذلك، فقد كاد أن يقتل نفسه ألمًا، حرصًا منه على هداية قومه؛ لأنه يعلم ما أعد الله جل جلاله لمن لا يهتدي منهم من العذاب الأليم، وهو لا يريدهم أن يعذبوا؛ قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] ، وقال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] .
ومِن حرصه الشديد صلى الله عليه وسلم على أمته: أنه خبأ دعوته المستجابة التي أعطيها - مثلما أعطيها إخوته من الأنبياء - إلى يوم القيامة، ودفع دعوته الخاصة عن نفسه وأهل بيته وخصَّصها لأمته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لكل نبي دعوةٌ مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي في الآخرة ) ) [2] .
18 -عدم طاعة الرعية في كل الأحوال: إن الجماعة مع ما فيها من أهمية قصوى وفوائدَ جمة، وإنجازات باهرة، ناهيك عن أن الفرد مأمور أن يكون مع الجماعة حين تكون على الحق، فإنها تجمع أناسًا من مختلف الثقافات والطبائع والعروق؛ لذلك فإنهم متفاوتو الفَهم والذكاء، فمنهم الحاذق، ومنهم متوسط الذكاء، ومنهم الإنسان المسكين في كل شيء في حياته، ومن هنا تأتي آراؤهم متباينةً، ويكون أهل الرأي وأصحاب الفِطنة في الغالب قليلين في الجماعة؛ قال تعالى:
(1) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، ج 16، ص 186.
(2) صحيح البخاري - كتاب الدعوات - باب: لكل نبي دعوة مستجابة.