فهرس الكتاب
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ؛ لهذا فليس مفروضًا على القائد أن يطيع الأكثرية دائمًا؛ لأنهم لا يعرفون مصالحهم جيدًا؛ فقد يضرون أنفسهم والآخرين في الكثير من آرائهم؛ قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] ، فلو استجاب القائد لرأي الجميع في كل شاردة وورادة، لكان أولُ مَن يتضرر من ذلك هم أنفسهم.
وعلى القائد الإيجابي أن ينتبه جيدًا لأولئك الغافلين، المنهمكين في الدنيا وملذاتها، فلا يستمع لما يقولون، ولا يأبَهُ لما يعرضون من الآراء؛ لأنها آراء فاسدة ناتجة من اتباعهم لهوى أنفسهم، وإن أمرهم هراءٌ وهباءٌ؛ قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
19 -الرحمة والرأفة: فقد وصفه ربه جل جلاله بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُعِين محتاجهم، ويعلِّم جاهلهم، ويعُود مريضهم، ويربت على كتف مهمومهم، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنموذجًا حقيقيًّا في هذا المجال، فكان رحمة بهم بالفعل؛ قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، وقد وصفَتْه زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها بقولها:(كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك:
• لتصِلُ الرحِم،
• وتحمِل الكَلَّ،
• وتَكسِبُ المعدوم،
• وتَقْري الضيف،
• وتُعِين على نوائب الحق) [1] .
وهذه الرحمة والرأفة نابعة من كونه واحدً منهم (من أنفسهم) ، بمعنى: يشعر بهم، ويعلم توجهاتهم، ويفهم ما يعانون منه، وحين يكون القائد بهذا المقام يستطيع أن يقدِّم الوصفات اللازمة لحَلِّ كل مشاكلهم.
(1) صحيح البخاري - باب بدء الوحي.