الصفحة 29 من 32

ضعفاء القوم وفقراءهم، وربما يطردهم من مجلسه، ويستكنف أن يقربهم منه؛ قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] ، وسبب نزول هذه الآية أن كبار قريش أحبُّوا حين يستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبعِد فقراء وضعفاء المسلمين؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] " [1] ، فكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل لفقراء المسلمين مكانًا في ناحية المسجد، هو (الصفة) ، فكانوا يأوون إليه، وكانوا في حال يرثى له؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن ترى عورته" [2] .

وكان ذلك الحال دافعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينظر إليهم، ويرى طلباتهم كلما غدا أو راح، ويقدمهم في العطاء على غيرهم، بل ويقدمهم حتى على أهل بيته في العطاء، بل وعلى نفسه صلى الله عليه وسلم قبل كل ذلك؛ فإن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول:"ألله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألتُه إلا ليشبعني، فمرَّ ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرَف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: (( يا أبا هِرٍّ ) )، قلت: لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( الحَقْ ) )، ومضى فتبعته، فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدح، فقال: (( مِن أين هذا اللبن؟ ) )، قالوا: أهداه لك فلانٌ أو فلانةُ، قال: (( أبا هرٍّ ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( الحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعُهم لي ) )، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول"

(1) صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم - باب: في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

(2) صحيح البخاري - كتاب الصلاة - أبواب استقبال القبلة - باب نوم الرجال في المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت