الصفحة 30 من 32

منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟! كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بُدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: (( يا أبا هر ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( خُذْ فأعطِهم ) )، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رَوِيَ القوم كلُّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم، فقال: (( أبا هر ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( بقيتُ أنا وأنت ) )، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: (( اقعُدْ فاشرب ) )، فقعدت فشربت، فقال: (( اشرب ) )فشربت، فما زال يقول: (( اشرب ) )حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: (( فأرني ) )فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة صلى الله عليه وسلم) [1] .

فالأصل أن يتعامل القائد بشفافية وعن قرب مع هذا النوع من أتباعه، ويصبر عليهم، ويعاملهم بالحسنى؛ قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

لقد كان أُوَيْسٌ القَرني رحمه الله - خير التابعين - رجلًا فقيرًا متواضعًا، حتى إن البعض كان يسخر منه، ويستهزئ به من شدة فقره، ولكن مكانته كانت عظيمةً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالرغمِ من أنه لم يره، وكذلك كانت مكانة أويس - رحمه الله - عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فـ:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن رجلًا يأتيكم من اليمن، يقال له: أويس، لا يدعُ غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله عز وجل فأذهبه عنه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فأمروه أن يستغفر لكم ) )، قال: فقدم علينا، قال: قلت: من أين؟ قال: من اليمن، قال: قلت: ما اسمك؟ قال: أويس، قال: فمَن تركت، قال: أمًّا لي، قال: أكان بك وَضَحٌ فدعوت الله فأذهب به عنك؟ قال: نعم، قال: استغفر لي، قال: أويستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ قال: فاستغفر له، قال: قلت: أنت أخي لا تفارقني، قال: فانملس مني،"

(1) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب: كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت