وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني مَجْهُودٌ، فأرسلَ إلى بعضِ نسائِه، فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقِ، ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسل إلى أخرى، فقالتْ مثلَ ذلكَ، حتى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مثلَ ذلكَ: لا، والذي بعثكَ بالحقِ، ما عندي إلا ماءٌ، فقالَ: «من يُضِيفُ هذا الليلةَ رَحِمَهُ اللهُ؟» ، فقامَ رجلٌ من الأنصارِ، فقالَ: أنا، يا رسولَ اللهِ، فانطلقَ بهِ إلى رَحْلِهِ، فقالَ لامرأتِهِ: هل عندكِ شيءٌ؟ قالتْ: لا إلا قوتُ صِبياني، قال: فَعَلِّلِيهِم بشيء، فإذا دخل ضَيْفُنا أَصْبِحِي السِراجَ، وأَرِيهِ أنا نأكلُ، فإذا أهوى ليأكلَ، فقومي إلى السِراجِ حتى تُطْفِئِيهِ، قال: فقعدوا وأكل الضيفُ، فلما أصبحَ غَدَا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «قد عَجِبَ اللهُ من صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا الليلةَ» ،
فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] [1]
(1) صحيح البخاري (3798) و (4889) وصحيح مسلم (2054) ومسند أبي يعلى الموصلي (6168) ، قال أهل العلم:
(إني مجهود) أي أصابني الجَهْدُ وهو المشقة والحاجة وسُوء العَيْشِ والجوع (رجل) كنيته أبو طلحة كما جاء في بعض الروايات. (فَانْطَلَقَ بِهِ إلى رحله) إلى مَنْزِلِهِ، وَرَحْلُ الْإِنْسَانِ هُوَ مَنْزِلُهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ، (فَعَلِّلِيهِم بشيء) يقال: عَلَّلَهُ بشيء إذا شغله به وألهاه. والمعنى اشغليهم عن طلب الطعام حتى يناموا. (أَصْبِحِي) أوقدي ونوري.
وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] أي: يقدمون الناس على أنفسهم، ولو كان بهم فاقة وحاجة.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. والشح والبخل سواء، وجعل بعض أهل اللغة الشح أشد من البخل. ويقال: الشح هو البخل مع حرص.