فهرس الكتاب
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ النَّهْيُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَجَوَازُهُ لِعُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الْقُعُودِ، وَبِهَذَا تُجْمِعُ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ". [1] "
وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله:"لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يديم الشِبَع، ولا الترفُّه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوتُه، ولا آله. بل: كانوا يأكلون ما خَشُنَ من المأكل العَلَقَ، ويقتصرون منه على ما يَسُدُّ الرَّمَقَ، معرضين عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالُهم مع إقبال الدنيا عليهم، واجتماعها بحذافيرها لديهم إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا بما فيه رغبوا. [2] "
وقال القرطبي أيضا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جُمِعَ له حال الفقر والغنى والكفاف، فكانت أول أحواله الفقر مبالغة في مجاهدة النفس. وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له مَلَكة ملكها، وتخلَّص له خلاصة سبكها، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرِّج عليها، بل: صرفها وانصرف عنها، حتى قال:"ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" [3] ، وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كلِّه على قدر ما يردُّ ضروراتِه، وضروراتِ عياله، ويردُّ حاجتَهم، فاقتنى أرضَه بخيبرَ، وكان يأخذ منها قوتَ عياله، ويدخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المُدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتُضِرَ، وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهجَ الخلفاء الراشدون على ما تدل عليه سيرهم وأخبارهم. وعلى هذا فأهل الكفاف هم صَدْر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة عام؛ لأنَّهم وسطهم، والوسط: العدل. وليسوا من الأغنياء كما قررناه فاقتضى ذلك ما ذكرناه، والله تعالى أعلم". [4] "
وقال النووي رحمه الله:
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 142) ، [فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام]
(2) المفهم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم، ط. دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ج 7 ص 28 و 29
(3) رواه أبو داود في سننه ط الرسالة (2755) عن عَمرو بن عَبَسَةَ، وقال الألباني ومحققو السنن: صحيح، ورواه أحمد ط الرسالة (28/ 385) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، ورواه مالك في الموطأ ت الأعظمي (3/ 651) .
(4) المفهم لما أَشْكَلَ من تلخيص كتاب مسلم، ط. دار ابن كثير ودار الكلم الطيب ج 7 ص 31