فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 38

فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْتٍ يُوسَرُ ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ لِإِخْرَاجِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ وَإِيثَارِ الْمُحْتَاجِينَ وَضِيَافَةِ الطَّارِقِينَ وَتَجْهِيزِ السَّرَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَانَ خُلُقُ صَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بَلْ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ بِرِّهِمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وإكرامهم إياه واتحافه بالطرف وغيرهما رُبَّمَا لَمْ يَعْرِفُوا حَاجَتَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، لكونهم لا يعرفون فَرَاغَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْقُوتِ بِإِيثَارِهِ بِهِ، وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا جَرَى لصاحبيه، ولا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِمَ حَاجَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِزَالَتِهَا إِلَّا بَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهَا، لَكِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتُمُهَا عَنْهُمْ إِيثَارًا لِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، وَحَمْلًا عَنْهُمْ، وَقَدْ بَادَرَ أَبُو طَلْحَةَ حِينَ قَالَ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ إِلَى إِزَالَةِ تِلْكَ الْحَاجَةِ، وَكَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ وَسَنَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي شُعَيْبٍ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ عَرَفَ فِي وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ فَبَادَرَ بِصَنِيعِ الطَّعَامِ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ، وَكَذَلِكَ كانوا يؤثرون بعضهم بعضا ولا يَعْلَمُ أحدٌ منهم ضرورةَ صاحبه إلا سعى فِي إِزَالَتِهَا وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بذلك فقال تعالى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] وقال تعالى {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] ". [1] "

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وعن أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيَمْسَحُ بَطْنَهُ، وَيَقُولُ: «لَتَمْرُنَنَّ أَيُّهَا الْبَطْنُ عَلَى الزَّيْتِ مَا دَامَ السَّمْنُ يُبَاعُ بِالْأَوَاقِي» [2] .

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ قَالَ:"أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بصَحْفَةٍ فِيهَا خُبْزٌ مَفْتُوتٌ بِسَمْنٍ عَامَ الرَّمَادَةِ، فَدَعَا رَجُلًا بَدَوِيًّا فَجَعَلَ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَجَعَلَ الْبَدَوِيُّ يَتْبَعُ بِاللُّقْمَةِ الْوَدَكَ فِي جَانِبِ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:"كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ مِنَ الْوَدَكِ، فَقَالَ: أَجَلْ، مَا أَكَلْتُ سَمْنًا وَلَا زَيْتًا وَلَا

(1) شرح النووي على مسلم (13/ 211)

(2) الجوع لابن أبي الدنيا (28) والطبقات الكبرى لا بن سعد ط دار صادر (3/ 313) والدلائل في غريب الحديث (2/ 504) لقاسم بن ثابت السرقسطي، وإسناده صحيح. قال السرقسطي: يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَوِ الدَّابَّةِ إِذَا تَعَوَّدَ الْأَمْرَ: مَرَنَ يَمْرُنُ مُرُونًا وَمَرَانَةً.

و (الْأَوَاقِي) بِالتَّشْدِيدِ وَبِالتَّخْفِيفِ لِلتَّخْفِيفِ، جَمْعُ (أُوقِيَّة) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 669)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت