الصفحة 14 من 15

والذنوب والمعاصي تسمى فسوقًا، وما جاز أن يسمى عاصيًا جاز أن يُسمَّى فاسقًا، ثم حكى الله - عز وجل - عن الهدهد بعد أن اعتذر إلى سليمان فقال: (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأٍ بنبأٍ يقين * إني وجدت امرأةً تملكهم وأوتيت من كل شيءٍ ولها عرشٌ عظيم * وجدتُها وقومَها يسجدون للشمس من دون الله وزَيَّن لهم الشيطان أعمالهم فصدَّهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألاَّ يسجدوا لله الذي يُخرجُ الخَبْءَ في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) ، وهذا لو كان من أقاويل الحكماء بل لو كان من كلام الأنبياء لكان كلامًا حسنًا، وعِظةً بليغةً، وحجةً بينةً، فكيف لا يجوز على هذا مطيعٌ وعاصٍ وفاسقٌ ومهتدٍ؟؟، وقد حكى الله - عز وجل - أيضًا عن النمل ما حكاه في هذه السورة فقال: (وَوَرِثَ سليمانُ داودَ وقال يا أيها الناس عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطير) فجعلها تنطق كما ينطق الناس، وقال: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملةٌ يا أيها النمل) فجعلها تنطق كما ينطق الناس، وقال: (وإن من شيءٍ إلا يُسَبِّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقال: (يا جبالُ أَوِّبي معه والطير) أي: سبِّحي )) . [1]

ثم أورد -رحمه الله- أمثلةً أخرى من كتاب الله ومن التوراة تعضد ما ذهب إليه في فسق وهدى الدواب على نحو ما أتى به فيما سبق، بعد ذلك بيَّن حقيقةَ أذى هذه الدواب الموسومة بالفسق وتعدِّي ضررها.

ثم ختم رده على هذا الإشكال -رحمه الله-، بقوله:

(( وكلُّ هذه قد يجوز أن تُسِمَّى"فواسق"لخروجها على الناس واعتراضِها بالمَضَارِّ عليهم، فأين كانوا عن هذا المخرجِ إذ قَبُحَ عندهم أن ينسِبوا شيئًا من هذه إلى طاعةٍ أو معصيةٍ؟! ) ). [2]

(1) تأويل مختلف الحديث (ص 120 - 138) بتصرف يسير.

(2) المرجع السابق (ص 142) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت