نظرية القيمة في العمل بين الإسلاميين واليسار القومي
سامح سعيد عبود
فائض القيمة مصطلح ينتمى للعلوم الحديثة المرتبطة بظهور الرأسمالية كنظام اجتماعى، وهو غير شائع في مجتمعاتنا المهووسة دينيا، سواء بين العامة أو بين المثقفين، ومن ثم يظل المصطلح محصورا في من لهم دراية بالاقتصاد السياسى ومن مروا بدراسة الماركسية. أما الربا فهو مصطلح متداول في تلك الثقافة السائدة. وبرغم أن كلا من الربا وفائض القيمة متشابهين، خاصة من زاوية لصوصية من يحصل عليهما، إلا أن الناس في بلادنا يحرمون الربا لوجود نص دينى قاطع بتحريمه، بينما يدافعون عمن يحصلون على فائض القيمة، مرددين نفس حجج المرابى المدافع عن حقه في الربا، ذلك لأنهم لا ينطلقون في رفضهم للربا من حس أخلاقى يرفض اللصوصية في حد ذاتها، أيا كان شكلها، ولكن من الاتباع الحرفى للنص الدينى مع رفض القياس عليه في حالة فائض القيمة، شأنهم في ذلك شأن من يحرمون الخمر لوجود نص دينى بتحريمها، في حين يحللون المخدرات لعدم وجود نص مماثل بشأنها.
أصل الربا في المجتمعات ما قبل الرأسمالية أنه عندما أكتشف الناس النقود كوسيلة للتبادل تراكمت النقود عند البعض منهم، بينما احتاج إليها آخرون، سواء لتلبية احتياجاتهم المعيشية من سكن وطعام، أو لتمويل نشاطهم الاقتصادى من تجارة وإنتاج، فاضطُروا للاقتراض ممن يملكوه، على أساس أن يسددوا ديونهم للمقرضين بنقود أكثر من أصل الدين. وكانت النظم القانونية القديمة تحمى هؤلاء المرابين. وقد حرمت اليهودية على اليهود أن يقرضوا اليهود بالربا إلا أنها لم تحرم عليهم الإقراض بالربا لغير اليهود، ولم تأت المسيحية بنصوص قاطعة الدلالة بتحريم الربا، وإن كانت موعظة الجبل تحوى مواعظ أخلاقية على النقيض تماما من منطق المرابى، منها مثلا"من طلب منك ثوبا فأعطه ثوبان". ولكن هذه القيم الأخلاقية الرائعة لم يكن لها أى تطبيق في عالم الواقع حتى بين المسيحيين المتدينين. وقد حرم الإسلام الربا الذى كان مجرد نشاط فردى شائع، وإن كان مدانا أخلاقيا في المجتمعات ما قبل الرأسمالية.
فى أواخر القرون الوسطى حدثت تطورات هامة في غرب ووسط أوربا، إذ توسعت الأعمال التجارية لدى التجار الأوربيين عبر العالم، واحتاجت صفقاتهم التجارية لتمويلات ضخمة، كما كانوا يحتاجون إلى من يحفظ لهم مدخراتهم، ويكون وسيطا بينهم في تعاملاتهم عبر العالم، فنشأت البنوك التى كانت تطويرا لعمل المرابى من نشاط فردى إلى نشاط مؤسسى، وذلك لكى تحقق العديد من الخدمات الائتمانية للتجار والحرفيين وغيرهم، إذ كانت تحفظ للمدخرين ودائعهم، وتقرض من مجموع هذه الودائع المتراكمة لديها من يرغب في تمويل نشاطه التجارى أو الحرفى أو تلبية احتياجاته الاستهلاكية، وكانت تعطى المودعين فوائد على ودائعهم لديها، وتأخذ من المقترضين فوائد على القروض التى اقترضوها على أن تكون نسبتها أكبر من فوائد المودعين، ومن الفرق المتحقق بين الفوائد على القروض والفوائد على الودائع، تحقق أرباحها. ومع التطور التاريخى تدخلت الدول لتحدد بنفسها تلك الفوائد التى تقررها البنوك التى تعمل في أراضيها في حالتى الإيداع والاقتراض، أى أن الدولة أصبحت هى التى تحدد بنفسها ربح البنوك كأحد أشكال السياسة المالية للدولة، وأحد سلطاتها السيادية.
أما أصل مصطلح فائض القيمة فيرجع إلى أنه مع منتصف القرن الثامن عشر بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا، وظهرت معها الرأسمالية كنمط إنتاج حديث، وأخذت طلائع علماء الاقتصاد يؤسسون لعلم الاقتصاد السياسى، الذى كان من أهم أسئلته التى أجابوا عليها هو: ما الذى يحدد قيمة السلعة؟ وانتهى أبرزهم، مثل سميث وريكاردو، إلى أن العمل البشرى المبذول في إنتاج السلعة هو الذى يحدد قيمة السلعة في السوق، في المتوسط، فالعمل