ذهب مثلًا، ويُطالب بأن يدفع أجرًا عن حفظ المصرف لهذا الذهب! وهذا الأجر هو نسبة مئوية من المبلغ المُقترَض تساوي أو تقترب من الفائدة التي تستوفيها البنوك التقليدية عن نفس المبلغ!! ... وتقدم بعض المصارف الإسلامية في الدول العربية خدمة التمويل الشخصي بطريقة"أشطر"، فهي تطلب من العميل طالب التمويل أن يوقع عقدًا يُخبر فيه أنه يشتري شيئًا بثمن مؤجل معيّن، ثم يُطلب منه مباشرة توقيع عقد آخر يُخبر فيه أنه بيع ذلك الشيء الذي اشتراه في العقد الأول بثمن حال، فيقبض المبلغ الحال، ويبقى عليه أن يدفع المبلغ المؤجل الأعلى على أقساط بزيادةٍ لا تختلف كذلك عن الزيادة التي يدفعها المقترض لمثل ذلك المبلغ بالفائدة، وهذا ما يسمى بالتورق. ... هذا مثال لبعض أنواع لتمويلات المتبعة في المصارف الإسلامية، وهي أنواع كثيرة يجمعها ضابط من اعتماد الشكليات، والخلو عن المخاطر التي لا تنفك عن المعاملات الشرعية الحقيقية من بيع وإجارة ومشاركة، حتى صارت عقود الاستثمار من مشاركة ومضاربة خادمةً لهذا النوع من التمويلات. ... وإن كان المُفتون بهذه العقود المشبوعة يسوغون تطبيق الحيل في التمويل المصرفي الإسلامي بحجة وجود الحيل المالية في كتب الفقه التراثية؛ فالجواب أن الحيل المالية قد وُجدت من قبل في العصور السالفة من عمر الدولة الإسلامية، لكن في اجتهادات فردية شاذة عن قول جمهور الفقهاء، وفي ظروف واعتبارات مختلفة، فهي كانت تصرفاتٍ فردية مقصورة ومحدوة وتُفعل على استحياء، وفي ظل نظام حُسبة وقضاء إسلامي يراقب ويتدخل إن استدعى الأمر كما ذكرت ذلك بعض كتب الفقه، ولم تكن تعد أصولًا لتعاملات مالية تشكل نواة عمل مؤسسات تُقدم للعامة على أنها البديل الشرعي عن الربا ويُفاخر بها! ... وإن كان بعض الشرعيين والعامة يظنون أن المصطلحات والشكليات كفيلة بإخراج الأمر من دائرة الحرمة إلى دائرة الحل، فقد أساؤوا إلى الشريعة أيما إساءة؛ فالزنا مثلًا لا يصير زواجًا مع التواطؤ على إيقاعه بصيغة الزواج بحضور شاهدين، وتسميةِ المبلغ المدفوع إلى المومس مهرًا، مع الاتفاق على التطليق بعد قضاء الوطر!! بل إن الشريعة ذمّت اليهود ولعنتهم لتحايلهم على الحرام بالحيل، ومن ذلك تحايلهم على الربا بعقود البيع ونحوها كما يذكر ذلك المفسّرون. ... إن نظام الاقتصاد الإسلامي وضعته الشريعة ليخدم المجتمع بجيمع طبقاته ويُحققَ العدالة، وكثيرٌ من المعروض حاليًا تحت عباءة هذا النظام لا يخدم ذلك الغرض باتفاق العقلاء، بل هو مسخ عن النظام الاقتصادي التقليدي بكل عيوبه وأضراره التي نشهد شيئًا من آثارها الآن؛ حتى قال بعض الاقتصاديين والمحللين بعد أن تبجّحت بعض المصارف الإسلامية بعيد الأزمة المالية بنظام الاقتصاد الإسلامي الحالي: لو أن المصارف الأمريكية مارست أعمالها التمويلية باعتماد نظام التمويل الإسلامي المتَّبع، وكذا نظام تجارة الديون المتبع في"بعض"المصارف الإسلامية أيضًا، لما اختلفت النتائج! ... - ما قولكم في تخريج جواز الترخص في الفتوى بدعوى تحقيق مصالح كلية للمسلمين عبر دعم المؤسسات المالية الإسلامية حتى تتطور وتصبح قادرة على منافسة المؤسسات الربوية، وبدعوى الصعوبات الخارجية المختلفة التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي؟ ... الحقيقة أن هذا الطرح موجود، فتحقيق المكاسب المالية الخاصة ليس هو الحافز الوحيد على ترخص أكثر المستشارين الشرعيين للمؤسسات المالية الإسلامية بالفتوى على النحو القائم؛ فالنزاهة قائمة