وباقية ولا شك في كثير من رجالات الفتوى في البنوك. لكن الترخص غير المقبول قد يأتي أحيانًا من رؤية قاصرة أو مغلوطة؛ فبعضهم يحسبون أنهم بتساهلهم يحسنون صنعًا، فيظنون أن عليهم دعم المؤسسات المالية الإسلامية الناشئة بكل ما يمكن، لأنها تشكل في رأيهم حجر الزاوية للنهضة الإسلامية الشاملة، فيرون وجوب التساهل معها في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية إلى أن تنشأ وتكبر، وتقوى على الوقوف في وجه العملاق الربوي المنافس، حتى إذا ما تحقق ذلك أعدنا النظر من جديد في تلك الأحكام الاستنثائية. ... والحقيقة أن هذه رؤية مغلوطة وقاصرة، فمؤسسات التمويل الإسلامي لم تعد في طور الطفولة الضعيفة، فهي تعمل منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وقد شهدت نموًّا وتطورًا كبيرين، وهي قادرة على العمل بنجاح في كل الظروف إذا ما أُحسنت إدارتها. ولا يمكن أن يكون نجاحها ناتجًا عن الحيل الشرعية والتشبه بالمعاملات الربوية، بل إن ذلك قد يكون سبب نهايتها؛ فإذا ما تنبّه العامّة إلى أن مؤسسات التمويل الإسلامي على تختلف عن مؤسسات التمويل الربوي، فسينصرفون عنها ونكون في ذلك نهايتها. ... أضف إلى ذلك أن هذا التقدير للمصالح الكلية العامة مختلط هنا على نحو خفي بالمصلحة الخاصة لمن يقرر هذه المصالح؛ فقد يختلط أو يتدافع هذا التعليل السامي والنبيل في نفس المفتي مع المكاسب الشخصية المتحققة، فالنفس البشرية لا تعجز أن تؤول لصاحبها ما شاءت من تعليلات نبيلة، وأمثلة ذلك كثيرة في نفس كل منا؛ ولا سيما مع المكاسب المادية الضخمة التي تعود بالجملة على رجالات الفتوى، والتي قد تبلغ ملايين الدولارات للفرد الواحد في العام الواحد (2) . ... ثم أين وجه تحقيق المصالح الكلية في كثير من الفتاوى التي أورثت خروج الأموال من ديارنا إلى الأسواق المالية الدولية في أوربا وأمريكا على النحو الذي نراه في التعامل مع أسواق السلع الدولية كما عليه الحال في التورق، أو في تداول أسهم الشركات الأجنبية في البورصات العالمية بعد إنشاء ما يسمى بالمؤشرات الإسلامية مثل داو جونز إندكس؛ والعمل جارٍ على قدم وساق لأسلمة سوق المضاربات والمقامرات في الأسواق الدولية عبر المشتقات المالية وعقود المستقبليات! ... هذا، فضلًا عن أن الترخص يقعد عن العمل لإيجاد البديل الشرعي الحقيقي، فمن المعلوم أن المصارف الإسلامية مؤسسات ربحية تملكها جهات قد لا يكون دافع البعض من تأسيسها إلا تحقيقَ الربح المؤمّل من تقديم منتجات طال تطلع الناس إليها فرارًا من الحرام. والقائمون على هذه المؤسسات مع وجود الفتاوى التي ترخص لهم منتجات مشبوهة مغرية من حيث مضمونية ربحها وعدم تضمنها لمخاطر حقيقية، لن يضطروا إلى العمل بالتعاون مع علماء الشريعة على إيجاد منتجات أخرى خالية عن الشبهات الشرعية. ولن يقلعوا عن هذه ويتروكها إلى منتجات أخرى وقد أُفتي بها من قبل، ولا سيما مع غياب الجهة الرقابية التي تنظم وترعى أمر إيجاد البديل الشرعي الخالص، وترْقبُ أمرَ التدرج وتضبطه، حتى إذا ما وجد البديل فرضته وأزاحت المنتجات المشبوعة الأولى من السوق. وكما هو مبدأ السوق، فإنه لا محل للعملة الجيدة مع وجود العملة الرديئة في الأسواق. ... أما فيما يتعلق بالتذرع بضرورات العمل المصرفي، فهذا الأمر هو من جملة المسوغات التي تتذرع بها هيئات الفتوى المصرفية، فتعزو مشاكل التمويل الإسلامي إلى أمور خارجية، كتسلط المصرف المركزي وقوانين الدول الأخرى المُتعَامل معها، وقلة المؤهلين من الشرعيين، وفي ذلك صرف للأنظار عن المشاكل الداخلية الحقيقية المرتبطة بها والمتولدة عنها. كما تتذرع هذه الهيئات باصطدام أحكام الشرع مع ضرورات العمل المصرفي وحيثياته اليومية المشكلة، كالحاجة إلى حماية المصرف الإسلامي والمودعين فيه من الخسارة الناتجة مثلًا عن نكول العملاء عن الدفع، وقوانين المصرف المركزي، وحاجة المصرف الإسلامي إلى استثمار السيولة قصيرة الأجل في استثمارات سريعة وآمنة لا يوجد لها بديل شرعي. ثم يقولون إن منتقديهم، ولا سيما من علماء الشريعة غير العاملين في مجال الفتاوى