الصفحة 7 من 10

المصرفية، ليسوا على دراية بهذا النوع من التحديات التي تواجه العمل المصرفي الإسلامي؛ فهم إنما ينتقدونهم من وراء مكاتب البحث وفي قاعات الدرس، ولم يخبروا طبيعة العمل المصرفي وضروراته ليستقيم نقدهم. والجواب أن مثيري النقد لممارسات العمل المصرفي الإسلامي هم أيضًا من الاقتصاديين الإسلاميين الأدرى منهم بضرورات العمل المصرفي وملابساته، وكذلك منهم الشرعيون الذين خبروا العمل المصرفي ومقتضياته. والأهم من ذلك أن فكرة التمويل أو الصيرفة الإسلامية تقوم على تقديم بديل عن المنتج التقليدي يُتجنب فيه الحرام، فإن كان المنتج في المؤسسة البديلة لا يحقق هذا المطلب فما الحاجة لإلباسه اللبوس الإسلامي المرقّع، ولا سيما مع ترتب آثار سلبية كارثية من جراء ذلك على النحو الذي أشرنا إليه! ... فلتكن أسلمة العمل المصرفي التقليدي، إن كان يتعذر جدلًا في الوقت الراهن تكوين المنتج الإسلامي الخالص، على مراحل مدروسة بحسب الممكن في كل مرحلة، ولا حاجة للاستعجال بالمبادرة إلى أسلمة كل منتجات المصارف والأسواق المالية التقليدية، فبعض هذه المنتجات لا يمكن أسلمتها بحال، والعمل على ذلك لن يؤدي إلا إلى الخروج بمسخ غير منسجم مع فكر الشريعة وأصولها. وحيثما وجدت الضرورات التي تقتضي ترخصًا معيّنًا، فليُذكر صراحة في نص الفتوى أن هذه الرخصة مؤقتة ومرهونة بظروف معينة اقتضتها، وأنه إذا ما زالت هذه الظروف، امتنعت الرخصة وتوقف العمل بالفتوى. ... - إذا كانت الشبهات والممارسات الخاطئة تكتنف العمل المصرفي الإسلامي، فبم تفسرون إذن استمرار نجاح وتوسع التمويل المصرفي الإسلامي؟ ... من الصحيح القول إنه على الرغم من كل التحفظات التي بدأت تتشكل لدى الناس على التمويل الإسلامي فإن الإقبال على مؤسسات التمويل الإسلامي مستمر مع توسع دائرة المتدينين من عامة الناس، وقد أصبح التمويل الإسلامي مطلبًا عالميًا. وسر هذا أن المتعامل المسلم المطّلع على شبهات العمل المصرفي الإسلامي أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يتعامل مع مؤسسة التمويل التقليدي، وإما أن يتعامل مع مؤسسة التمويل الإسلامي على الرغم من شبهاتها؛ فيختار على الغالب التعامل مع الثانية تحميلًا للوزر للقائمين على هذة المؤسسة وهيئة الفتوى الخاصة بها. أي أنه لا يقبل عن اقتناع، بل اختيارًا لأهون الشرين، فهنا لديه من يحملّه وزره، وهناك يتحمّل هو وزر نفسه. وربما أقبل بعض الناس على التمويل الإسلامي عن عدم علم بشبهاته وظنًا منهم بسلامته، وبعضهم عن أمل بتعديل المصارف الإسلامية لمسيرتها وعدم رغبة بدعم المؤسسات الربوية الخالصة، ولا سيما الأجنبية منها. وأيا كان السبب، فأكثر المسلمين يؤثرون من حيث النتيجة التعامل مع المؤسسات الإسلامية ومستعدون لتحمّل كلفة تمويل أعلى أملًا بالنجاء من الذنب. ... وهذا حال بعض العملاء على مستوى الشركات أيضًا، وبعضها، وهي الأكثر، تقبل على مؤسسات التمويل الإسلامي لأنها تمثل لها مصدر تمويل إضافي. أي أنها تتعامل معها كما تتعامل مع مؤسسات التمويل التقليدية، فهي ترحب بكل من هو مستعد لتمويلها ولا تعني لها الصبغة الإسلامية لمؤسسات التمويل شيئًا. وهذا واقع يعلمه كل من يعمل في مؤسسات التمويل، فأكثر عملاء مؤسسات التمويل الإسلامي لهم تعاملات مستمرة مع المؤسسات التقليدية! ... أما الطلب العالمي على المصارف الإسلامية، فمرتبط بالمصالح المادية، فمؤسسات التمويل الإسلامي من شأنها أن تجذب أموال المسلمين الكثيرة، وتعيد إلى مؤسسات التمويل التقليدي أموال خرجت عنها مع نشوء المصارف الإسلامية في ديار المسلمين، ولا سيما مع وجود عوامل الجذب الملائمة من بيئة اقتصادية وسياسية ومستقرة في الخارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت