صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته [1] و الشاهد هنا أن يعلى يريد أن يقول، إن الآية لها منطوق، و لها مفهوم، فالقصر مربوط بالخوف، و ما دام أن هذا القيد - وهو الخوف- قد زال و أمن الناس، إذن ينبغي أن موضوع القصر ينتهي. و كذلك فهم عمر من تعليق القصر على الخوف عدم إباحته حال الأمن، وعجب من ذلك فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فهمه، و قال أنه صدقة تصدق الله بها أي هذا خلاف الأصل، و عن سليمان قال أبو ذر يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل الحمار والكلب الأسود والمرأة فقال يا ابن أخي سألت رسول الله عما سألتني فقال الكلب الأسود شيطان [2] والشاهد أن الصحابي فهم من تعليق الحكم على الكلب الأسود انتفائه عما سواه وأقره النبي على هذا الفهم.
وقد اتفق العلماء على العمل بحديث الاحاد قال الجويني: (( والمسلك الثاني: مستند إلى إجماع الصحابة و إجماعهم على العمل بالاحاد منقول متواتر) [3] ، وقال أيضا: (( فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعملون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الآحاد في جملة الصحابة، و لا نستريب أنه لو وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها فروى الصديق رضي الله عنه فيها خبرا عن الصادق المصدوق عليه السلام لابتدروا العمل به، من ادعى أن جملة الأخبار التي استدل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الوقائع رواها أعداد فهذا باهت وعاند وخالف بالمعلوم الضروري بخلافه) [4] قال أبو الوليد الباجي: (( وذهب القاساني و غيره من القدرية إلى
(1) - رواه مسلم في صحيحه
(2) - رواه أبو داود في سننه وصححه الألباني
(3) - البرهان للجويني 1/ 389
(4) - البرهان للجويني 1/ 393