الصفحة 8 من 9

بالقطع بالظنون و الجواب على ذلك أن الحديث الآحاد والمتواتر كلاهما نقل والنقل لا يتعارض والواجب الجمع بين النصوص ما أمكن، وعند تعذر الجمع يصار للترجيح، ويجوز العمل بما يغلب على الظن فالوصول لليقين في كثيرٍ من المسائل والأحكام قد يكون متعذرًا أو صعبًا، والمراد بالظن المذموم الشك والتهمة و إلا فإن الظن قد جاء بمعنى اليقين في العديد من الآيات كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} ، و قوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} ، وليس كل ظن إثم بدليل قوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} ويرد عليهم أيضا بأن الله قال: {و لا تقفُ ما لَيسَ لكَ بِهِ علمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤاَدَ كُلُّ أولئك كان عنهُ مسؤولًا} أي لا تتبعه ما ليس لك به علم، و لا تعمل به، و لا يزال المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد، ويعملون بها، ويثبتون بها الأمور الغيبية كبدء الخلق و أشراط الساعة، فلو كانت أخبار الأحاد لا تفيد علما، ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون و تابعوهم و أئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم، وهذا باطل و أيضا ما زال المسلمون في كل زمان و مكان يفتون بموجب هذه النصوص وإن كانت آحادًا، ويحلون بها أشياء ويحرمون أشياء، ويعاقبون على تركها، ولو كانت تفيد الظن عندهم لدخلوا تحت قوله تعالى: {ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} فالقائلون بأن أخبار الآحاد ظنية و يجب العمل بها، يلزمهم القول بأن الله أمر بما نهى عنه، وذمه حيث أوجب أن نحكم في دينه وشرعه بأدلة ظنية، وقد نهانا عن الظن فالخلاصة أن الظن الذي جاء في النصوص متفاوت جدًا بين اليقين و الاحتمال الراجح و الشك و الوهم و ليس كل ظن إثم.

و إن قيل ما عند الأئمة من تضعيف الحديث لمخالفة الأصول هو من اعتبار شرط انتفاء الشذوذ، والجواب على ذلك أن المحدثين يقصدون بالشذوذ المخالفة في نفس الحديث الواحد أي المخالفة التي تحدث في داخل طرق و أسانيد و متن الحديث الواحد وليس أحاديث مختلفة، أما التعارض بين نصوص الأحاديث الآحاد و المتواترة فهو توهم، و افتراض جدلي لا حقيقي، و قد تحدى الحافظ ابن خزيمة وجود أي تضاد بين حديثين صحيحين: حيث قال: لا أعرف أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت