ومما لاشك فيه أن هذا الحكيم العربي القديم كان يعمد إلى التعليم, وليس التعليم النظري التجريدي, وإنما التعليم القائم على التجربة والمعاناة. استمع إليه وهو ينصح بالبعد عن الحروب وعدم إشعالها:
• فلا تكتمن الله مافي نفوسكم *** ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
• يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر*** ليوم حساب أو يعجل فينقم
• وما الحرب إلا ماعلمتم وذقتم *** وماهو عنها بالحديث المرجم
• متى تبعثوها تبعثوها ذميمة *** وتضر إذا ضريتموها فتضرم
• فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... *** وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم
• فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... *** كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
• فتغلل لكم مالا تغل لأهلها *** قرى بالعراق من قفيز ودرهم
ولننظر في النهي وجوابه , ومتى الشرطية وأجوبتها أو جزاءاتها المتعددة المقترنة بالفاء لتدلل على تعاقب النتيجة خلف المقدمة مباشرة واستخدامه لفعلي العلم والذوق ليجسد التيقن والتجربة والمعاناة وليؤكد على تعليمية نصائحه , وتهديفية كلامه.
وإذا كان الهدف يعني (وجود عمل مرتب منظم قائم على استبصار سابق للنهاية في ظل ظروف وإمكانيات موضوعية مصاحبة) . [1] فإنه (يدل على نتيجة أي عمل طبيعي على مستوى الوعي , وبعبارة أخرى إنه يعني تدبر العواقب من حيث نتائجها المحتملة المترتبة على تصرف ما في موقف معين بطرق مختلفة , والإفادة مما هو متوقع لتوجيه الملاحظة والتجربة) . [2]
ومما هو واضح جلي أن كل الأبيات التي سقناها لزهير تكشف عن نزعة تعليمية عند هذا الفيلسوف العربي القديم فعلى مستوى وعيه ووعي مستمعيه نرى الأعمال ونتائجها , أي تدبر العواقب والنتائج المحتملة المترتبة على سلوك ما أو تصرف معين في موقف ما , وبطرق متنوعة, والأهم هو الاستفادة المستقبلية مما هو متوقع ومنتظر. وأما الجانب التطبيقي العملي, فإن الشاعر يلفت نظر أفراد القبيلتين (التلامذة المتلقين) لتعليمات ونصائح أستاذهم , ويجسد هذا قوله:
وما الحرب إلا ماعلمتم وذقتم ... *** وما هو عنها بالحديث المرجم
(1) منير المرسي سرحان ـ في اجتماعيات التربية ـ الإنجلو المصرية 1973 م ص 61
(2) رالف واين ـ قانون جون ديوي ـ ترجمة: محمد العريان , الانجلو المصرية 1964 م ص 41