ونلاحظ فيه مدى أهمية الجانب العملي في التعلم والتلقي , لأن الدرس لن يفيد إن اقتصر على الجانب النظري ألنصائحي فقط.
وليس زهير وحده الذي نجد لديه هذا الجانب التعليمي الأخلاقي التربوي , وإنما شاع هذا الاتجاه لدى كثير من شعراء ذلك العصر.
وهذا عنترة يعطينا دروسا أخلاقية تربوية رائعة , أصلح ما تكون في توجيه الشبيبة وصغار السن , حتى وإن جاءت هذه الدروس في ثوب الفخر.
ولك أن تتبين قيمتها لما تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع قول عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله *** حتى أنال به كريم المأكل
قال: (ما تمنيت أن أرى من الجاهلية أحدا إلا صاحبكم هذا) [1] .
وتمعن في الأبيات التالية لترى أبعاد الشخصية المعلمة لهذا الفارس البطل يقول عنترة:
ما استمت أنثى نفسها في موضع ... *** حتى أوفي مهرها مولاها
أغشى فتاة الحي عند حليلها ... *** وإذا غزا في الحرب لا أغشاها
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد *** لا أتبع النفس اللجوج هواها [2]
عفة ورجولة لا تدانيها أي عفة أو رجولة , لايراود أنثى ولا يتحبب إليها إلا بعد الوفاء بمهرها , ويقاطع ذات صلة الرحم إذا خرج حليلها للحرب , ويغض طرفه مابدت له جارته حتى تتوارى في خدرها , وهو سمح ماجد لايتبع الهوى والنفس.
ولنستمع إلى هذه الدروس الفلسفية العميقة من فم هذا المعلم الفيلسوف الصغير طرفة بن العبد , وهو يلخص لنا تجاربه القليلة في الحياة , لنخرج منها بأعمق الدروس والعظات يقول:
أرى قبر نحام بخيل بماله *** كقبر غوي في البطالة مفسد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي *** عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة *** وما تنقص الأيام والدهر ينفد [3]
(1) أبو الفرج الأصفهاني ـ الأغاني ـ دار الكتب المصرية ب ت ج 6/ ص 135
(2) مصطفى السقا ـ مختار الشعر الجاهلي (شعر عنترة) المكتبة الشعبية بيروت ط 3/ 1969 ص 409
(3) الزوزني ـ شرح المعلقات السبع ـ مكتبة المعارف بيروت 2004 ص 64 ـ 65