الصفحة 8 من 16

الضعف والخداع , ولا تنفع العظة مع من لا يتبع موعظة الدهر وموعظة اللبيب. ولا ينفع العقل بلا تعلم , وكأنه يقول إن كلامه كله للتعلم والعظة وقد يتحول الشانئُ إلى حبيب والحبيب إلى شانئُ , وإذا ماكنت غريبا في مكان ما فمد يدك ولا تتأخر بحجة الغربة ومهما يكن من أمر فإن من يسأل الناس غير مُعطىً ولكن سائل الله لا يخيب.

وها نحن مع قس بن ساعدة الإيادي , وهو يلقي درسه في سوق عكاظ خالطًا عناصر جمالية متعددة , عناصر نثرية تتمثل في التسجيع والتجنيس , والمزاوجة والمقابلة وعناصر جمالية شعرية تتمثل في المفردات والتراكيب والإيقاع والصورة الفنية وغيرها:

(أيها الناس اسمعوا وعوا , إنه من عاش مات, ومن مات فات , وكل ما هو آت آت , ليل داج, ونهار ساج، وسماء ذات أبراج , نجوم تزهر , وبحار تزخر, وجبال مرساة , وأرض مدحاة , وأنهار مجراة. إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا. مابال الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ يامعشر إياد أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ ألم يكونوا أكثر منكم مالا وأطول آجالا؟ طحنهم الدهر بكلكله , ومزقهم بتطاوله.

• في الذاهبين الأولين ... *** من القرون لنا بصائر

• لما رأيت مواردا *** للموت ليس لها مصادر

• ورأيت قومي نحوها ... *** يسعى الأصاغر والأكابر

• لا يرجع الماضي إلي ... *** ولا من الباقين غابر

• أيقنت أني لا محالة ... *** حيث صار القوم صائر [1]

ولا شك أن الوصايا لون من ألوان الأدب [2] عرفها العرب الجاهليون , ووردت بكثرة في آدابهم , وتناولها الرواة , وجمعها بعض المؤلفين في كتب أو فصول وأبواب من كتب الأدب العامة. ومن الكتب التي انفردت برواية مثل هذا اللون الأدبي التربوي الأخلاقي كتاب (تاريخ العرب الأولية) للأصمعي عبد الملك بن قريب ت 216 هـ , وفي هذا الكتاب وصايا قحطان و الملوك من أبناء هود , وكتاب (الوصايا) لدعبل ابن علي الخزاعي ت 246 هـ وكتاب (الوصايا) لأبي حاتم السجستاني ت 248 هـ وكتاب (وصايا الملوك وأبناء الملوك) للوشاء. [3]

(1) احمد حسن الزيات ـ تاريخ الأدب العربي ـ سابقا ص 21

(2) غازي طليمات وعرفان الأشقر ـ الأدب الجاهلي ـ سابق ص 560

(3) نفسه ص 560

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت