وإذا كانت الغاية من الوصية النصح والإرشاد إلى الطريق القويم, والترغيب في التزام الفضائل والتخلق بالأخلاق الكريمة فإنها (توجيه تربوي يعلم فيه الكبير الصغير, والمجرب المتمرس بأمور الدنيا الغرير الناشئ) . [1]
ومن الوصايا التي تنعكس فيه التجربة الحياتية والخبرة الإنسانية وصية أكثم بن صيفي لبني طيء بالتقوى وصلة الرحم والعناية بالخيل والإبل وغير ذلك. ومنها (( أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم, وإياكم ونكاح الحمقاء, فإن نكاحها غرر, وولدها ضياع. وعليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب .... والعدم عدم العقل لاعدم المال ومن عتب الدهر طالت معتبته , ومن رضي بالقسم طابت معيشته , وآفة الرأي الهوى ) ) [2]
ومن الوصايا التربوية الرائعة وصية الحارث بن كعب لبنيه وهو يحتضر. يقول (يابني عليكم بهذا المال فاطلبوه أجمل الطلب , ثم اصرفوه في أجمل مذهب , فصلوا به الأرحام واصطنعوا منه الأقوام واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم) . [3]
ولم تقتصر العملية التعليمية والتربوية على الرجال وإنما أسهم فيها عدد كبير من النساء ذوات الخبرة العريضة والتجربة الكبيرة.
ومن أشهر الوصايا التربوية وصية أمامة بنت الحارث التي أودعتها تجاربها في الحياة وودعت بها ابنتها أم إياس حين زفافها ومنها: (أيْ بنية! إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك, ولكنها تذكرة للغافل, ومعونة للعاقل, ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها, وشدة حاجتهما إليها لكنت أغنى الناس. أيْ بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فاحملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا:
(( اصحبيه بالقناعة , وعاشريه بحسن السمع والطاعة , وتعهدي موقع عينيه فلا تقع عينه منك على قبيح ثم اعرفي وقت طعامه , واهدئي عند منامه , فإن حرارة الجوع ملهبة , وتنغيص النوم مبغضة، ثم اتقي مع ذلك الفرح أمامه إن كان ترحا والاكتئاب عنده إن كان فرحا فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير. وكوني أشد الناس له إعظاما, يكن أشدهم لك إكرامًا واعلمي أنك
(1) نفسه ص 561
(2) نفسه ص 560
(3) غازي طليمات وعرفان الأشقر ـ الأدب الجاهلي سابق ص 561