الصفحة 4 من 10

عليه؛ لأنه يُسقطُ الأصلَ أو يُشوهه .. وأغلب الظن أن الإيغال في تتبع الآليات والإجراءات بغير تحرز وضبط شديدين؛ سيصل بنا إلى الحوم حول حمى المباديء الكفرية ذاتها، ومن حَام حَول حِمىً يوشك أن يَرتَعَ فيه؛ تمامًا كما رَتَعَ قسطنطين بالنصرانيةِ في الوثنيةِ فأخرجَ للناسِ دينًا (وَثْنَصْرانِيًَّا) ليس فيه من النصرانية سوى الأسماء!!

كان العلمانيون والليبراليون يشغبون على الإسلاميين فَيُذَكِّرُونَهم أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراعٍ فقط؛ بل أصولًا فلسفية خاصة وقواعد مبادئية عامة لا بد من التوافق عليها قبل الوصول لمرحلة الاقتراع .. وما رأيتُ أحدًا منهم بَدَأ بخدعة الآليات الإجرائية إلا انتهى إلى الفلسفة دون أن يدري، حتى صرتُ أشك أن المؤمنَ بالآليات دون الفلسفة كائنٌ خرافيٌ لا وجود له كالغول والعنقاء والخِل الوفي!!

ثم هَبْ أن الآلياتِ متوافقةٌ مع الإسلام أو لا يرفضها الإسلام .. لماذا نُصِرُّ على استخدامِ المصطلح الغربي؟!!

المصطلحُ هُويَّة .. والهُوية: دينٌ ولغةٌ وثقافةٌ وحضارة؛ فكأن المصطلحَ مرآةٌ تعكس الهُويةَ بأجزائها مفرودةً في صُوَر، أو إضبارةٌ تختزل أجزاء الهُوية بِكُلِّيِّتِهَا مُكثَّفَةً في حروف .. مصطلحاتُ كلِّ قومٍ هُويتُهم، وبقدر استخدامك مصطلحًا بعينه بقدر عُلوِّ هُويةِ هذا المصطلح وأهله في نفسك وسُفُول نفسِك وهُويتك فيها؛ فإذا استخدمتَ مصطلحَ قومٍ فقد غَلبَّتَ- دريتَ أو لم تَدرِ- دينَهم على دينِك، ولغتَهم على لغتِك، وثقافتَهم على ثقافتَك، وحضارتَهم على حضارَتك .. وأَيّ شيءٍ يبلُغُه الغالبُ في المغلوبِ أكثرَ مِن هذا؟!

(الديمقراطية والشورى) مصطلحان متضادان بالكلية ينتميان لحضارتين مختلفتين بالكلية، ويحملان في حروفيهما حمولاتٍ وإيحاءاتٍ وظلالًا تاريخية وعقدية وثقافية ولغوية وحضارية لا يمكن- بهذه الحمولات والإيحاءات- أن يمتزجا في نفس إنسان وروحه وعقله أبدًا!!

المصطلحُ احتِلَالِيُّ بِطَبْعِه، يحمل وجهَ حضارته وفلسفتها .. هو شِعَارُهَا ودِثَارُهَا؛ تمامًا كورقة العملة أو أعلام البلدان؛ رموزٌ موحيةٌ مختزلةٌ في ورق أو قماش أو حروف أو مخترعات .. وهو- بحسب الأنا والآخر- أداةُ احتلالٍ وتبعيةٍ واستلاب، ونقيضُه أداةُ مقاومةٍ وأصالةٍ وتَحَرر .. وهنا تكمن مراوغة المصطلح كما تكمن خدعة المُصطَلِحِيْن؛ فالذين سموا الاحتلال استعمارًا أرادوا تخفيف وقعه البغيض على النفوس، تمامًا كما سموا (اللوطيةَ) (شذوذًا) ثم (مِثلِيَّة) ؛ ليخففوا بشاعة انتكاس الفِطرةِ في النفوس؛ فمصطلح اللوطية يُشيع في النفس إحساسًا جارفًا بالإثم الديني يتبعه نفورٌ مجتمعي، ومصطلح الشذوذ يُسقط الإحساس بالإثم الديني ويُثبت فقط معنى مخالفة المجتمعِ عُرفًا وتقاليدًا .. أما مصطلح المثلية؛ فهو مصطلح محايدٌ تمامًا يخلو من إيحاءات الإثم الديني والمخالفة المجتمعية معًا، بل ويميل إلى دفع الناس لقبول اللوطيين وتقبلهم .. وقس على هذه الأحابيل الخادعة ما يحدث في مصطلحات كثيرة، مثل: حقوق الإنسان، وتحرير المرأة، والمشروبات الروحية .. وغيرها من المصطلحات التي يُرققون بها بشاعة ما يرتكبون فيها!!

إن استعلاءنا بمصطلحات ديننا هو الخطوة الأولى لاستعادة هويتنا التي تمثل الدين واللغة والثقافة والحضارة، وليس هذا رفضًا للآخر أو احتقارًا له؛ بل هو اكتفاء ذاتي بما نملك .. وما نملكُ عظيمٌ لو تدبرناه!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت