الصفحة 9 من 10

ليصبح الإنسانُ رَبَّ نفسه لن يقف أمام إفساده شيء، وحين يستأثر الإنسانُ بحق التشريع يُفسِدُ نظامَ الدنيا بأهوائه المتقلبة ومصالحه المتباينة؛ فلا يبقى مَرجِعٌ يرجع إليه سوى الهوى والمصلحة .. وأيُّ نِظامٍ يقوم على الهوى والمصلحة؟! .. مَن أَنِفَ من عُبوديةِ اللهِ اسْتَعْبَدَهُ اللهُ لِكُلِّ شَيء!!

إني لأعلمُ أننا- لطولِ تَقَلّبِنَا في حَمأة الديكتاتورية والطغيان- نشتاق العدلَ الذي قامت عليه السموات والأرض .. وهذا مطلب فِطريٌ لا ينكره أحد .. بل إننا- كمسلمين- مأمورون ببذل الجهد والجهاد لتحقيق إعمار الأرض بالعدل من خلال تحقيق العبودية لله وحده .. بيد أننا نخطيء بشدة حين نَظنُّ أن استخدامنا لمنهجٍ ثَبَّتَ أركانَ الطغيان عندنا سيُحقق لنا العدل المنشود والكرامة الضائعة والحرية المؤودة .. ولئن خُدِعنا مرةً فلا يجوز أن نُخدَعَ أُخرى.

المُعَافِرون في الطريق الخَطأ قد يُشكَرُ جَهدُهم وجِهَادُهم، وتُقَدَّرُ تضحياتُهم ونضالاتهم، ولكنهم- في النهاية- ليسوا أكثر من"عاملةٍ ناصبة"يزرعون البحر ويَغزِلُونَ الهَواء ويبنون على الرمل .. وحقيقٌ بمن وضحت له الطريق ألا يُنكرَ فضلَ من خَلُصَت نيتُه وبَذلَ وُسْعَهُ منهم؛ فلو لم يَكنْ لهم من فضلٍ سوى أنهم أرشدونا بخطئهم إلى الصواب؛ لكفاهم ذلك فضلًا!!

نحن كغيرنا من الأمم تجري علينا سُننُ الله كما جرت عليهم، ولكننا- لضغط الواقع ومعايشة أهوال التفاصيل- نتعجل النصر؛ فنتعلق بالأوهام ونضل عن سواء السبيل؛ فيردنا الله إلى سبيله بالمصائب ويُرَبينا بالمِحَن حتى لا يبقى في قلوبنا سواه، ولا بين أعيننا سوى طريقه!!

اجتهدَ أوباشُ التُرك في اعتناقِ الطورانية، كما اجتهدَ أوشابُ العربِ في اعتناق العروبية .. حَكَمَ العربُ الدنيا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وحكم الأتراكُ الدنيا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وحَكَمَ اليهودُ الدنيا بسليمان صلى الله عليه وسلم!!

تَخَلَّى العرب عن محمد صلى الله عليه وسلم ليحصلوا على الغساسنة، والمناذرة، وجمعٍ لا يكاد يُحصى من آباء رغال .. وتخلى الأتراكُ عن محمد صلى الله عليه وسلم ليحصلوا على الأوغوز، والكرلوك، والأويغور، وجمعٍ لا يكاد يحصى من يهود الدونمة .. وتمسك بَقِيَّةُ السبي البابلي من بني إسرائيل بسليمان عليه السلام ليحصلوا على الأرضِ المقدسة ويتحكموا في الغساسنة والمناذرة والكرلوك والأوغوز!!

العقائدُ تكسب دائمًا .. وإِنْ نَخَرَ المثقفون أولادُ المثقفين!!

لقد كانت الحقائقُ أظهرَ من أن تَخفى؛ بيد أَنَّ غِطَاء الوهم كان أكثفَ من قُدرةِ العينِ على البصر .. ومعَ سريانِ تيارِ الوعي في روحِكَ ستتداعى أوهامُكَ شيئًا فشيئًا كما بُنِيتَ شيئًا فشيئًا، ولن تشعر بتداعي بُنيانِ أوهامِك حتى يَسّاقط الحجرُ الأخير .. وَحْدَهُ الحَجَرُ الأخيرُ يُحْدِثُ دَوِيًَّا؛ لأنه لا يسقط على فراغ؛ بل على أحجارِ أوهامِكَ المتساقطةِ في القاع!!

إذا حَدَث هذا فمرحبًا بك ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت