فهرس الكتاب
ولم ينحصر تلقي الصحابة للسنة في حضور مجالسه صلى الله عليه وآله وسلم؛ وإنما كان التلقي أيضا من خلال تصرفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في وقائع وحوادث شاهدها صحابته، فتلقوها عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ونقلوها إلى من بعدهم من التابعين، وهي تمثل جزءا كبيرا من السنة النبوية، ولاسيما هديه في العبادات والمعاملات، وسيرته عامة.
ومن هذه الحوادث ما كان يقع للرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه فيبين حكمها.
مثال ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر برجل يبيع طعاما فسأله: كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحي إليه: أدخل يدك فيه، فأدخل يده، فإذا هو مبلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"ليس منا من غش".
ومنها ما كان يقع للمسلمين فيسألونه صلى الله عليه وآله وسلم عن حكمها، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلق بغيره، بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم قد يسمع أو يرى أحد الصحابة يخطئ فيصحح له خطأه، وقد يختلف اثنان من الصحابة في مسألة من المسائل فيرجعان إليه؛ ليفصل بينهما مبينا لهما الحكم الصحيح.
المرحلة الثانية: احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث، وتثبتهم في قبوله بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
سبق لنا أن رأينا كيف حرص الصحابة على تلقي السنة والتمسك بها، واقتدائهم برسولهم الكريم، وقد سار التابعون سير الصحابة في هذا الاقتداء.
غير أن هؤلاء وأولئك في الوقت نفسه احتاطوا في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتثبتوا في قبول الأخبار عنه صلى الله عليه وآله وسلم؛ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف وهي مصدر التشريع الثاني، ولهذا اعتدلوا في الرواية، احتراما للحديث، لا زهدا فيه، وكانوا حين يروون الأحاديث يتحرون الدقة عند الأداء، واشتهر من بين الصحابة من كان ينكر على من يكثر الرواية؛ كعمر بن الخطاب، بل إن بعض الصحابة من كانت تأخذه رعدة، ويقشعر جلده ويتغير لونه حين يروي حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إن الصحابة لم يسلكوا هذا الطريق لأن الحديث لديهم قليل، بل فعلوا ذلك احتياطا وحرصا على السنة؛ ذلك لأن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ.
ولقد التزم الصحابة منهاج عمر في التقليل من الرواية مع كثرة تحملهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فها هو ذا أنس بن مالك يقول: لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتك بأشياء سمعتها