الصفحة 28 من 1472

ادعى أصحاب العقول المريضة أن عدم كتابة السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يطعن في حجيتها، وجعلوا يجمعون النصوص الحديثية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن السلف الصالح في كراهة كتابة السنة، ونسوا أن الكتابة ليست من شروط الحجية، ونسوا أن الحجية إنما تحصل بعدالة حاملها.

لأن المعول عليه في المحافظة على السنة، وصيانتها من التبديل والتحريف والخطإ، هو أن يحملها الثقة العدل حتى يوصلها لمن هو مثله في هذه الصفة. وهكذا.

فهب أن لو جاءت اليهود والنصارى لأصحاب هذه الشبهة، فقالوا لهم: إن القرآن ليس بحجة، فإنه لم ينزل من السماء مكتوبا، ولو كان حجة لاهتم الشارع بأمره وأنزله مكتوبا. فماذا يكون جوابهم؟!

إن قالوا لهم: إن عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ والتبديل فيه تغني عن نزوله مكتوبا، قالوا لهم: إن موسى وعيسى عليهما السلام معصومان أيضا.

لكن لا بد لهم أن يعلموا أن كما أغنت العصمة عن نزوله مكتوبا، تغنينا عدالة الراوي عن كتابة ما هو حجة؛ قرآنا كان أو سنة.

بل إن الكتابة لو كانت من شروط الحجة لما وقع الخطأ والتبديل في التوراة والإنجيل؛ لأن اليهود والنصارى كانوا يكتبون التوراة والإنجيل، ولكنهم تجردوا من صفة العدالة، الأمر الذي يجعلنا نجزم بعدم صحة ما يكتبون.

وقد قال تعالى في ذلك: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} (البقرة: 79) .

فالأصل في حجية المنقول عدالة ناقله، لا كتابته.

ولقد قال الخليل بن أحمد الفراهيدي:

ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر

أما الأحاديث والآثار التي لم يألوا جهدا في جمعها لتثبت النهي عن كتابة السنة، فهناك أحاديث كثيرة جاءت بالإذن بالكتابة بعد ذلك، وللجمع بينهما أقوال عند أهل العلم منها:

الأول: أن النهي كان خاصا بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك الوقت.

الثاني: أن النهي خاص بكتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت