الصفحة 32 من 1472

لقد عرفت المعتزلة حديث الآحاد بأنه:"الذي لا يعلم كونه كذبا أو صدقا":

ومن هنا لا يقال عنه: إنه سنة تضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن السنة هي ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ليدام عليه، أو فعله ليدام الاقتداء به، وحديث الآحاد لا يؤمن فيه من الكذب.

وعليه: فلا يقال إنه من السنة إلا على وجه التعارف، وذلك بعد موافقته للعقل، ولهذا لا يجوز في العقل أن يقال فيه:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"قطعا؛ وإنما يجوز أن يقال:"روي عنه".

الرد:

ويكمن الجواب على هذه الشبهة فيما يلي:

تناول الإمام ابن حزم - رحمه الله - أوجه النقل عند المسلمين في كتابه (( الفصل في الملل والنحل والأهواء والبدع ) )وتحدث عن طرق نقل الأخبار، فقال عن خبر الآحاد:

"والثالث ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف إما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع، يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن، والحمد لله رب العالمين."

وهذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وبناه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور، منذ أربعمائة عام وخمسين عاما في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، يرحل في طلبه من لا يحصي عددهم إلا خالقهم إلى الآفاق البعيدة، ويواظب على تقييده من كان الناقد قريبا منه، قد تولى الله تعالى حفظه عليهم، والحمد لله رب العالمين.

فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسق أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر"."

والشاهد من هذا الكلام أن الإمام ابن حزم يشير إلى وجود خبر الآحاد وما يكون عليه التعريف الصحيح، وأن ما عرفه به المعتزلة لم يكن التعريف الصحيح الذي عرفه به علماء الحديث.

فخبر الآحاد عند علماء الحديث هو: ما رواه واحد أو أكثر ولم يجمع شروط التواتر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت