الصفحة 43 من 1472

ذلك هذه المؤلفات الكثيرة الماثلة أمام أعين الجميع، وما من جزئية من جزئياته إلا وتجد أن العلماء أشبعوها بحثا وأوفوها دراسة.

ومن ذلك إسناد الحديث الذي بدأ مع بداية رواية الحديث، أي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان الشاهد يبلغ الغائب، وكان الصحابة رضي الله عنهم يحضرون مجلسه ثم ينقله من حضره إلى من غاب عنه ما سمع، كما ورد في قصة عمر مع جاره الأنصاري.

وما كان الصحابة رضي الله عنهم يكذب بعضهم بعضا إذ الثقة بينهم كانت متوفرة، ولكن لما ركب الناس الصعب والذلول أصبحوا يشددون في الإسناد ويلتزمونه في رواية الحديث.

روى مسلم بسنده إلى مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.

قال ابن سيرين:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".

وتشدد التابعون من بعدهم في التمسك بالإسناد والتزامه في الرواية، وما كانوا يقبلون خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسندا.

سمع الإمام الزهري أهل الشام وهم يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا أهل الشام: ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزمة ولا خطم؟! قال الوليد بن مسلم: فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ".

وكان - رحمه الله - إذا حدث أتى بالإسناد ويقول:"لا يصح أن يرقى السطح إلا بدرجه".

وكان هشام بن عروة يوصي تلاميذه بطلب الإسناد فيقول:"إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا؟".

وقد أخذ الإسناد المتصل نصيبه من العناية والاهتمام البالغ في عهد التابعين، حتى أصبح من واجب كل من يروي حديثا، أن ينسب ما يروي، وهو بإسناد الحديث يرفع العهدة عن نفسه، ويطمئن سامعه إلى صحة نقله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت