الصفحة 44 من 1472

وظل الإسناد من بعد ذلك يلقى عناية عظيمة من علماء الحديث وجهابذته، بل أصبح طلبه عندهم تدينا لله تعالى.

قال عبد الله بن المبارك:"الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".

وبالتالي لا يعتمدون حديثا ليس مسندا، ويقول أيضا:"بيننا وبين القوم القوائم"يعني الإسناد. قال النووي في معناه:"إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه وإلا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم".

ولذا إذا ورد إليهم حديث لا يقبلونه مهما كان مقام من رواه إلا إذا أسنده، وصح إسناده.

روى مسلم بسنده إلى أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن! الحديث الذي جاء"إن من البر بعد البر، أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك".

قال: فقال عبد الله:"يا أبا إسحق عمن هذا؟ قال: قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش. فقال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن؟ قال: قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف".

ويتردد هذا المعني بوضوح أيضا عند المعاصرين لابن سيرين وابن المبارك فقد أكدوا بأقوالهم على أهمية الإسناد كما التزموا به في منهجهم في التحديث فكان الأعمش ربما حدث بالحديث ثم يقول"بقي رأس المال حدثني فلان قال ثنا فلان عن فلان"، فقد اعتبر الأعمش الإسناد جزءا من الحديث، بل هو من أهم الأجزاء إذ لا يمكن قبول المتن دون إسناد، ومن ثم فقد عقب على المتن بذكر إسناده. وقد أصبح قبول الحديث منوطا بذكر الإسناد قال شعبة:"كل حديث ليس فيه أنا وثنا فهو خل وبقل". أي أنه كالطعام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.

وفي هذا المعني قال شعبة أيضا:"كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام".

بل لم يقف البحث عن الإسناد والتشدد فيه عند العلماء وطلبة العلم فحسب، بل أصبح أمرا مسلما به عند عامة الناس لا يقتصر على أرباب العلم.

قال الأصمعي:"حضرت ابن عيينة وأتاه أعرابي فقال: كيف أصبح الشيخ رحمه الله؟ فقال سفيان: بخير بحمد الله، قال: ما تقول في امرأة من الحاج حاضت قبل أن تطوف بالبيت؟ فقال: تفعل ما يفعل الحاج غير أنها لا تطوف بالبيت. فقال: هل من قدوة؟ قال: نعم، عائشة حاضت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت