الصفحة 45 من 1472

قبل أن تطوف بالبيت، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تفعل ما يفعل الحاج غير الطواف، قال: هل من بلاغ عنها؟ قال: نعم، حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بذلك.

قال الأعرابي:"لقد استسمنت القدوة، وأحسنت البلاغ، والله لك بالرشاد".

وهكذا لم يكتف الأعرابي برغم أنه ليس من العلماء أو من طلبة العلم حتى سأل عن سند الرواية كاملا ولم يجد ابن عيينة في سؤاله بأسا بل أجابه عما سأله عنه.

ولقد عظم اهتمام علماء الحديث بالإسناد حفاظا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تنالها يد العابثين، وأن تتطرق إليها أهواء الجاهلين، فبه حموا جناب السنة من الزيادة والنقصان، وبسببه دفعوا كل كذب عنها وبهتان.

قال أبو حاتم بن حبان:"ولو لم يكن الإسناد وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في سائر الأمم، وذاك أنه لم يكن أمة لنبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، فحفظت هذه الطائفة السنن على المسلمين، وكثرت عنايتهم بأمر الدين، ولولاهم لقال من شاء بما شاء".

وقال الحاكم:"فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد كانت بتراء".

وما أصدق ما قال الثوري - رحمه الله - في وصف الإسناد، إذ يقول:"الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل". ومن هنا درس المحدثون الإسناد دراسة مستوفية، فدرسوه من حيث اتصاله، فوضعوا قواعد تتناول كافة أحوال الاتصال، وسائر وجوهه، فنظروا إليه من حيث مبدئه وانتهائه، ووضعوا لذلك اسما، ودرسوا صيغه وبينوا شروطها، ونظروا إلى مسافة السند من حيث الطول والقصر، وإلى حال الرواة عند الأداء. ونقدوا الأسانيد في الحديث الواحد وما فيها من زيادة ونقص. كما درسوا الإسناد من حيث الانقطاع وأنواعه، فبحثوا موضعه من أوله أو وسطه أو آخره، كما بحثوه من حيث طبيعته في الظهور والخفاء، وبلغوا الغاية ومنتهى الدقة في ذلك. واستوفوا بذلك كل أوجه الاحتمالات في اتصال الحديث وانقطاعه مما أدى إلى بروز أحكامهم على الأحاديث في غاية الصحة والدقة والسداد.

وقد عرفوا الحديث الصحيح بما نقله عدل تام الضبط، متصل السند غير معلل ولا شاذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت