فهرس الكتاب
ثم إن الفتنة إذا أطلقت فهي الفتنة الكبرى التي عصفت بالخلافة الراشدة. وإذا قيل: الفتنة بالتعريف"بأل"التي هي للعهد، فهي الفتنة المعهودة التي لا يجهلها أحد.
والحق الذي لا مراء فيه أن اشتراط السند، والبحث عن الإسناد بدأ مع زمن النبوة المباركة.
وفي ذلك يقول الحاكم:"طلب الإسناد العالي سنة صحيحة"ثم ذكر حديث أنس بن مالك في مجيء الأعرابي وقوله: يا محمد أتانا رسولك فزعم كذا. . . . الحديث. فقد استنبط الحاكم من هذا الحديث أصل طلب الإسناد والعلو فيه؛ لأنه سمع أركان الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة.
ولو كان طلب الإسناد والعلو فيه غير مستحب: لأنكر عليه المصطفى سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه.
واستمر طلب الإسناد والبحث عنه مع زمان الصحابة، ودليل ذلك سؤال عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري وغيره أن يأتوا بشاهد على صحة ما رووا من الأحاديث، وهذا طلب أشد من عموم السند؛ إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام ابن سيرين دليل لهذا التقدم في طلب الإسناد.
وإذا كانت بداية الإسناد متواضعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الصحابة للبعد عن الكذب، إلى زمن الفتنة، فإن هذا العلم اشتد الأخذ به بعد الفتنة، حتى ما قارب القرن الأول نهايته، حتى بلغ علم الإسناد مبلغا عظيما"."
ثالثا: ما زعموه من أن الأسانيد اخترعت من قبل الضعفاء، والكذابين، وركبت على المتون المختلفة، وإيهامهم بأن ذلك التبس على المحدثين.
فالجواب عليه: نعم: اخترعت الأسانيد وركبت عليها المتون المختلفة؛ ولكن هذا لم يخف على جهابذة المحدثين وأئمة الجرح والتعديل، فلقد تنبهوا إلى هذا قبل أن يدعي أدعياء العلم بأكثر من ألف سنة، ولكن ذلك لم يخف عليهم أبدا؛ ولذلك نجد علماء الحديث يقررون عدم التلازم بين صحة السند وصحة المتن، وينبهون على الكذابين المختلقين للأسانيد.
وفي ذلك يقول ابن الجوزي، وهو يبين أصناف الوضاعين في كتابه (( الموضوعات ) ):"القسم الرابع: قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن، ومن هؤلاء محمد بن سعيد القائل: لا بأس إذا كان كلاما حسنا أن نضع له إسنادا".
وفي ذلك أيضا يقول ابن عراق في كتابه (( تنزيه الشريعة ) )وهو يبين أصناف الوضاعين:"الصنف السادس: قوم حملهم الشره ومحبة الظهور على الوضع، فجعل بعضهم لذي الإسناد"