وكان عثمانُ قد وقع له مثلُ ذلك، حتى إنه خطب في الناس، وقال لهم: أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عنى من أهل الأمصار أشدُ فيه اختلافًا، وأشدُ لحنًا، اجتمعوا يا أصحابَ محمد، واكتبوا للناس إمامًا.
وكتب عثمانُ إلى حفصةَ: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخُها في المصاحف، ثم نردُّها إليك، فأرسلت بها.
يقول زيد بن ثابت: فأمرني عثمان بن عفان أن أكتب مصحفًا، وقال: إني مُدخلٌ معك رجلًا لبيبًا فصيحًا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ.
وفي رواية عن مصعبِ بن سعدٍ: فقال عثمانُ: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ الناس أعربُ وفي رواية أفصحُ ـ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال: فليمل سعيدٌ، وليكتب زيدٌ.
اختلفت الروايات في عدد المصاحف التي كتبها عثمانُ، فالمشهور أنها خمسةٌ، وورد أنها أربعةٌ، وورد أنها سبعةٌ، بعث بها إلى مكةَ، والشامِ، واليمنِ، والبحرينِ، والبصرةِ، والكوفةِ، وأبقى واحدًا بالمدينة سُمي (( المصحفَ الإمامَ ) ).
أمر عثمان بما سوى المصحف الذي كتبه والمصاحفِ التي استكتبها منه أن تحرق.
وهكذا كان الجمعُ الثاني للقرآن الكريم في عهد عثمانَ رضي الله عنه، أشرف عليه بنفسه، بمشاركة كبارِ الصحابة رضوانُ الله عليهم، وموافقِتهم وإجماعهم. فجمع بهذا العمل الجليل كلمة المسلمين، وحسم ما ظهر بينهم من خلاف.
كُتبت مصاحف عثمانَ خالية من النقط والشكل؛ حتى تحتملَ قراءتُها الأحرفَ السبعةَ التي نزل بها القرآنُ الكريم، وعندما أرسلها إلى الأمصار رضي