الصفحة 6 من 17

بها الجميعُ، ونسخوا على غرارها مصاحفَ كثيرةً خاليةً من النقط والشكل. واستمروا على ذلك أكثر من أربعين سنة.

وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت أممٌ كثيرة لا تتكلم العربيةَ في الإسلام؛ فتفشت العجمةُ بين الناس، وكثرُ اللحنُ، حتى بين العرب أنفسهم؛ بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف الشريف غيرَ منقوط خشي ولاةُ أمر المسلمين عليه أن يتطرق إليه اللحنُ والتحريف.

وكان أولَ من التفت إلى نقط المصحف الشريف زيادُ بن أبيه؛ الذي طلب من أبي الأسود الدؤلي أن يضع شيئًا يصلح به كلامَهم ويعربون به كتابَ الله فاختار أبو الأسودِ رجلًا من عبد القيس، وقال له: (( خذِ المصحفَ، وصبغًا يخالف لونَ المداد، فإذا رأيتَني فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه، وإذا كسرتُها فانقط واحدة أسفَلهَ، وإذا ضَمَمْتُها فاجعل النقطةَ إلى جانب الحرف(أي أمامه) ، فإذا أتبعت شيئًا من هذه الحركات غنة (أيْ تنوينًا) ، فانقط نقطتين )). فأخذ أبو الأسودِ يقرأُ المصحفَ بالتأني، والكاتبُ يضع النقْطَ، واستمر على ذلك حتى أعرب المصحفَ كلَّه، وكان كلما أتم الكاتبُ صحيفةً، أعاد أبو الأسودِ نَظرةَ فيها.

وجاء تلاميذُ أبي الأسود بعده، وتفننوا في شكل النقطة؛ فمنهم مَن جعلها مربعةً، ومنهم من جعلها مدورةً مطموسة الوسطِ، ومنهم من جعلها مدورة خاليةَ الوسط.

وقد تطور هذا النقطُ فيما بعدُ على يد إمام اللغة في عصره الخليلِ بن أحمدَ الفراهيديِّ على هيئةٍ تميزت بالوضوحِ وسهولة الفهمِ، وكان هذا النقط يُسمى شكلًا، أو ضبطًا؛ لأنه يدل على شكل الحرف وصورتهِ، وما يعرض له من حركة، أو سكون، أو شد، أو مد، ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت