الصفحة 3 من 5

على أن الذي تمتاز به صورة التوحيد في العقيدة الإسلامية هو تعمقها للحياة كلها، وقيام الحياة على أساسها، واتخاذها قاعدة للمنهج العملي الواقعي في الحياة، تبدو آثاره في التشريع كما تبدو في الاعتقاد سواء. وأول هذه الآثار أن تكون شريعة الله وحدها هي التي تحكم الحياة. فإذا تخلفت هذه الآثار فإن عقيدة التوحيد لا تكون قائمة، فإنها لا تقوم إلا ومعها آثارها محققة في كل ركن من أركان الحياة ... [1] .

{اللَّهُ الصَّمَدُ} قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار

وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن أيضًا الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له

وقال عكرمة: الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب

وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضًا، و سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي الصمد الذي لا جوف له وقال سفيان عن منصور عن مجاهد الصمد المصمت الذي لا جوف له

وقال عبد الله بن بريدة أيضًا الصمد نور يتلألأ

قال الشيخ البيضاوي - رحمه الله: وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة الله للإشعار بان من لم يتصف به لم يستحق الألوهية

فكل ما سبق من معاني الصمد فهو السيد في كل شيء والذي لا يأكل ولا يشرب ولا يحتاج لشيء مما يحتاجه بنو آدم، وهو الحي الذي لا يموت وهو المصمت الذي لا جوف له لأن المجوف محتاج لما يملأ جوفه والله أعز وأجل من ذلك، فقد جمعت هذه الكلمة كل الصفات الحميدة الجليلة الجميلة.

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. وفي صحيح البخاري: لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم.

فأبطلت - هذه الآية - عقيدة النصارى بإلهية عيسى - عليها السلام - بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها؛ بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن الله، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم. فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها فبطل أن يكون عيسى إلها [2] وفي هذه الآية رد كذلك على بعض اليهود في زعمهم أن عزير

(1) في ظلال القرآن

(2) التحرير والتوير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت