فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 20

كان ضغطه يرتفع فجأة .. وينخفض فجأة أخرى .. لكن أعلى ما وصل إليه أربع وثمانون .. وأقل ما عانى منه فوق الثلاثين .. !

ضربوه عددًا من الإبر .. وحين أتى طبيب التخدير ليضربه أول إبرة .. لم يجد عرقًا ليطعنه به .. !

فداه نفسي .. اختفت عروقه ..

استيقظ مرةً وكنت على رأسه أنا وعاصم .. نظر إلينا ثم قال: الساعة العاشرة والنصف؟ تأكد عاصم من الساعة , وقال: نعم .. وهو يقول لي: ما شاء الله أبي كما هو في دقته ..

قال لنا: لا تفتني الصلاة .. أريد أن أصلي ..

وحين أتى الطبيب إليه .. قال له: دكتور أريد الصلاة .. سأتوضأ .. رد عليه: لا تستطيع الوضوء يا عبدالله نحضر لك ترابًا وتتيمم .. قال: لا، بل أستطيع .. !

ثم .. فقد وعيه ..

هم الصلاة لم يفارقه أبدًا .. حتى وهو في أضيق الظروف ..

فتح عينه مرةً .. والتفت عن يمينه فرأى أمي .. ثم عن يساره .. فرأى عاصمًا .. فقال: أين البنات؟

أين ريم؟ أتت إليه ريم .. وهي الصغيرة لم تتحمل الموقف .. وكانت تقف ورائي في أغلب الوقت .. تقول: ما أبغى أشوف أبوي كذا .. !

وحين وقفت بجانبه .. ابتسم لها .. ومد يده إليها .. وقال: تعالي بجانبي .. رفضنا صعودها إليه خوفًا من أذيته .. ثم قال: وأين رند؟ جاءته وسلّم عليها .. وقال: أين رزان؟ ففعل معها الفعل ذاته .. ثم قال: أين جمانة؟ أتيت إليه .. فمد يده إلي .. صافحته .. وقبلتها .. وضغطت عليها قليلًا أريد تدفئتها من شدة برودتها ..

وحتى .. أملأ نفسي من حنانها .. !!

هل تريدون أن أخبركم .. بأن هذا هو الوداع الأخير .. مع حبيبي وقرة عيني .. وروحي التي بين أضلعي؟!

نعم .. هذا آخر ما بيننا .. وكأنه أوقفنا جميعًا حوله .. ليقول لنا: قفوا مع بعضكم دائمًا .. أريد أن أرحل والعُرى بينكم غليظة .. !

إيهِ .. يا أبي ..

بعد هذا الموقف بقليل .. وحين رأينا أنه لا جدوى من جلوسنا .. لأن حركتنا أربكت طاقم التمريض .. !!!

استودعناه ربنا .. وخرجنا إلى بيتنا بعد ساعتين ونصف تقريبًا من الإحاطة به ..

مشاعرنا لم أصفها لكم في هذا الليلة .. ولن أصفها .. لأني لا أستطيع .. لا أستطيع أبدًا .. !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت