الإفاضة، وقبله طواف قدوم، وبعده طواف وداع، هذا العتيق: الأصيل في التوحيد، العتيق: الذي بني قبل آلاف السنين، هذا العتيق: الذي كان قيامه قيامًا للناس ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ الزمانية والمكانية، ولذلك لا بد أن نربي أولادنا على هذا التعظيم حتى يعرفوا قيمة العشر، حتى يتجهوا للعبادة فيها، وليس إلى المعصية في هذه العشر، تبًا لمن يقوم بالعصيان، ويرتكب الكبائر، وينتهك حدود الله، ألا يعرف عظمة ربه؟ ألا يعرف قيمة هذه العشر؟ والله عز وجل يقول: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ والحرم من الحرمات، فكيف يعصى الله في الحرم؟ كيف يعصى الله في الحرم؟ هذا الذي يعظم شعائر الله ويعظم حرمات الله، فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ سورة الحج 30.عنده جنات وحسنات وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، هذا هو الدين، وهذا ملخص الرسالة السماوية كلها، حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء وسقط، وهوى إلى قاع سحيق، فكيف يكون حاله وهو يهوي إلى قاع سحيق؟ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فيحصل له أحد احتمالين: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ سورة الحج 31. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ سورة الحج 32. لأن تعظيمه لها دال على التقوى في قلبه، ولولا وجود التقوى في قلبه ما عظمها، وعلى قدر التقوى يكون التعظيم، فكلما كانت التقوى أكثر كان التعظيم أكثر لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ولذلك لو ركبت أي الهدى إلى الحرم جاز، وبعد ذلك سيكون ذبحها، الأجل المسمى، فيجوز الانتفاع بها دون إضرارٍ بها، ولذلك قال: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وحتى المنافع هذه من الأكل منها، والشرب من لبنها، وكذلك إعطاء الناس منها، هذه المنافع، والركوب عليها إلى مدة الحياة التي نحياها، وستنتهي هذه الحياة، وهذه الرحلة، رحلة الحج أجل مسمى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ سورة الحج 33. لأنها ستنحر هناك، وتوزع، وتقسم لله رب العالمين.
اللهم بارك لنا في هذه الشعائر يا أرحم الراحمين، واجعلنا من المقبلين على دينك وتلاوة كتابك يا رب العالمين، اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، دعا إلى الله ولم يشرك به أحدًا، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك إمام الحنفاء المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، صاحب لواء الحمد، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشافع المشفع يوم يقوم الشهود، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى ذريته الطيبين، وعلى آله وأزواجه وخلفائه الميامين، وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
ولكل أمة جعلنا منسكًا.
عباد الله:
يقول ربنا: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا المنسك: هو الذبح، والنسيكة: هي الذبيحة، فهذا الذبح لله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ سورة الكوثر 2. أي: وانحر لربك، على اسم الله، هذا الذبح ليس خاصًا بأمة، بل كان لكل أمة، عبادة عظيمة، عبادة عظيمة موجودة في كل شرعية أنزلها الله من السماء وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لماذا؟ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ولذلك أضحيتك يا مسلم تشكر بها ربك على نعمة الحياة، أنه أحياك لهذه السنة، تشكر بها ربك على بهيمة الأنعام التي سخرها لك، ولولا تسخيرها ما أكلت منها شيئًا، ولا قدرت عليها، ولا على ذبحها، ولا على الانتفاع منها، ولكن الله سبحانه وتعالى سخرها لك وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فالتوحيد، والذبح له وحده، والمشركون يذبحون للإصنام، ويذبحون للأموات في المشاهد وتحت القباب، ويذهبون إلى الأضرحة لينحروا عندها لهذا الولي، ولهذا، ولهذا، ويتركوا رب العالمين، تبًا لهم، ولكن المسلم يذبح لله لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا كل العبادات أسلموها، خلصوها لتكون له وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ سورة الحج 34. وصفهم الله، وعرّف من هم هؤلاء أهل الإخبات الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ سورة الحج 35. من تعظيمهم لربهم إذا سمعوا ذكر الله وجلت قلوبهم، لكن أهل الإعراض وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِسورة الزمر 45. أهل الإخبات الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ هؤلاء عندهم وجل، وهؤلاء عندهم اشمئزاز، لا يريدون الله ولا شرعه، وهؤلاء عندهم إخبات، وتواضع، وخشوع، وذلة لله، إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ علمت عظمته، وعذابه، وعقابه، فخافت، وكذلك تحبه لأجل صفاته العظيمة، والمحامد، والنعم التي أنعم بها وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ صبر