رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ) ) [1] . لأن هذه الأمورَ الثلاثَةَ هِيَ مداخلُ الشيطان؛ مَدَاخِلُ الشيطان إما عن طريق الغُلُوِّ، وإِمَّا عَنْ طريق الْجَهْلِ، وإما عن طريق الْهَوَى.
فقوله صلى الله عليه وسلم: (( يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ) ): بيانٌ لخطورة الغلو على الدين.
وقوله: (( وانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ) ): بيانٌ لِخُطُورَة الهوَى؛ الذين ليس لهم إلا ما أُشربوا من أهوائهم.
وقوله: (( وتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ) ): يَدُلّ على خطورة الجهل، وأنه قد يصل بصاحبه إلى مَهَاوِي الرَّدَى، ويُضِلُّه عن طريق الهُدى. ولذلك تَقَدَّمَ لنا ذِكْرُ الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: (( إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ) ).
وَمَنْ زعم أنه يستطيع أن يفهم الكتاب والسنة بدون التلقي عن العلماء والدراسةِ عليهِم؛ فإنه على خَطَرٍ عظيم.
ومِمَّا يَنْدَى له الجبين، ومما يُؤسَفُ له، أننا نرى بعضَ أُناسٍ قَرَأُوا لهم، وقرأوا بعض الكتب، وقرأوا بعضَ الأحاديث؛ دون أن يتتلمذوا على العلماء، فنَصبُوا أنفسهم للفتوى، وزعموا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التَّلَقِّي على هؤلاء العلماء، وَمَنْ كَانَ عِلْمُهُ مِنْ كِتَابهِ فَخَطَؤُهُ أَكْثَرُ مِنْ صَوَابهِ. ولذلك نجد عندهم جُرْأَة خطيرة على الفتوى، وعلى مخالفة أهل العلم، والجُرأة على دين الله، حيث يُفتون بغير عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ ويُضِلُّون. وهؤلاء قد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا عند قِلّة العلماء، أو عند بُعْدِ الناس عن العلماء عندما قال: (( إِنَّ الله لا يَنْتَزِعُ العِلمَ انتزاعًا وإنما يقبضُه بقَبْضِ العلماء، فإذا لم يبق عَالِم اتخذَ الناس رؤوسًا جُهَّالا فسُئِلوا فأَفْتَوْا بغير علمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) ) [2] .
(1) رواه البيهقي، وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح.
(2) رواه ابن حبان، وصححه الألباني في التعليقات الحسان.