فهرس الكتاب
{أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} سبأ9
ومن صور الخسف الزلازل التي تجعل البلاد عاليها سافلها , فالزلازل والفيضانات هي من جنود الله وهي تارة تكون غير مدمرة وأخرى تدمر كل شيء بأمر ربها جل جلاله فاتعظوا يا طواغيت الأرض قبل فوات الأوان.
قال الله جل جلاله
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} الروم9
والمعنى: أولم يَسِرْ هؤلاء المكذبون بالله الغافلون عن الآخرة في الأرض سَيْرَ تأمل واعتبار, فيشاهدوا كيف كان جزاء الأمم الذين كذَّبوا برسل الله كعاد وثمود؟ وقد كانوا أقوى منهم أجسامًا, وأقدر على التمتع بالحياة حيث حرثوا الأرض وزرعوها, وبنَوْا القصور وسكنوها, فعَمَروا دنياهم أكثر مما عَمَر أهل"مكة"دنياهم, فلم تنفعهم عِمارتهم ولا طول مدتهم, وجاءتهم رسلهم بالحجج الظاهرة والبراهين الساطعة, فكذَّبوهم فأهلكهم الله, ولم يظلمهم الله بذلك الإهلاك, وإنما ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان, وهذه سنة ماضية إلى يوم القيامة.
قال الله جل جلاله
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} الأنعام44
يقول الثابت على الحق سيد قطب رحمه الله وهو يفسرهذه الآية العظيمة:
(وهل يُحمدُ اللهُ على نعمةٍ أجلّ من نعمةِ تطهيرِ الأرضِ من الظالمين أو على رحمةٍ أجلّ من رحمته لعباده بهذا التطهير لقد أخذ اللهُ قومَ نوح وقومَ هود وقومَ صالح وقومَ لوط كما أخذَ الفراعنةَ والإغريقَ والرومانَ وغيرهم بهذه السنة - سنة الاستدراج - ; ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ذلك السر المغيب من قدر الله ; وهذا القدر الظاهر من سنته ; وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ; وكان لها من التمكين في الأرض ; وكان لها من الرخاء والمتاع ; ما لا يقل إن لم يزد في بعض نواحيه عما تتمتع به اليوم أمم ; مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ; مخدوعة بما هي فيه ; خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه وهي تتمرد على سلطانه وهي تدّعي لأنفسها خصائص ألوهيته وهي تعيث في الأرض فسادًا وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله ولقد كنت في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه:
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} الأنعام44
فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه وشعورهم بأنه وقفٌ على الرجل الأبيض وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة وفي وحشية كذلك بشعة وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهّر به اليهود في الأرض كلها حتى صار عَلَمًا على الصلف العنصري بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين كنت أرى هذا كله فأذكرُ هذه الآية وأتوقعُ سنةَ اللهِ وأكادُ أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين