ومع ما في الأمر من خطر، ومع وضوح حكمه في دين الله؛ فإنه أصبح عند أغلب الناس من عوام المنتسبين إلى الإسلام وخاصتهم؛ شيئًا هينًا وذنبًا مشاعًا، لا يكاد أحد يفلت منه أو يتورع عنه، وهكذا أضحى المتزعمون المتصدرون لقيادة الأمة وإمامتها لا يرون حرجا في افتاء المسلمين بجواز التحاكم إلى غير احكام القرآن باسم"المصالح"و"الضرورات"، راضين من غير إكراه يلجؤهم إلى ذلك.
وإذا كان من طبع أهل الابتداع التساهل في مثل هذا الأمر والتأول له التأويلات الفاسدة، لأنهم أصحاب أهواء ظاهرة يستحسنون على أساسها ما يشاؤون، فإن الغريب حقًا - ولا غرابة في كيد الشيطان وتلبيسه - أن تجد كثيرًا ممن يزعم الدعوة إلى منهج أهل السنة والجماعة ويدعي الكفر بطواغيت الحكام وتكفير الحاكمين بغير ما أنزل الله، ويقول بوجوب الخروج عليهم وقتالهم، تجدهم يعتقدون جواز التحاكم إلى نفس الأحكام الشركية التي يُكّفرون من يحكم بها دونما إكراه، ويتوسلون إلى فعل ذلك بكل الوسائل، مع التغطية عليه وعلى فعله بأفسد التأويلات، وكل ذلك يفعلونه طلبًا لمنافع خاصة بهم، لا علاقة لها بالمصلحة العامة للأمة.
في الوقت الذي نراهم ينكرون أشد الإنكار على أهل البدع البرلمانيين الذين اتخذوا"المصلحة"مطية و"الضرورة"حجة لدخول مؤسسات التشريع الشركي، معتبرين ما يأتيه هؤلاء كفرًا بواحًا، بل يكفرون غيرهم بإتيان صناديق الاقتراع والإدلاء بما يسمى بـ"الأصوات"فيها، مع أن هؤلاء البرلمانيين ما دخلوا هذه الأبواب إلا لتحصيل المصلحة العامة للأمة، لا لمصالحهم الشخصية فقط، ولكنهم اتخذوا لذلك وسائل كفرية لم يأذن بها الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
ألا انه لو كان أحد يُعذر عند الله تعالى بارتكاب الكفر من غير إكراه، اعتذارًا بـ"المصالح"و"الضرورات"، لكان هؤلاء البرلمانيون ممن دخل في الديمقراطية الشركية لنصرة الدين وتحقيق المصلحة العامة للأمة أعذر عند الله تعالى ممن يزعم تكفيرهم ثم مع ذلك لا يستحون ولا يمتنعون أن يقعوا في مكفر مثل التحاكم إلى غير ما أنزل الله، يبيعون دينهم بلعاعة من دنيا يصيبونها أو شهوة من أمرأة يقضها أحدهم!
ألا فاعلموا أيها الإخوة؛
أن من يتحاكم إلى أحكام القانون ومحاكمه وحكامه من غير إكراه صحيح، فإنه كافر مرتد عن الإسلام، ولا عبرة بما يحمله من شعارات الإسلام أو الدعوة أو الإنتساب إلى السنة