والجماعة أو الجهاد أو التوحيد أو تكفير من يحكم بغير ما أنزل الله، كما أنه لا عبرة في ذلك بادعاء إكراه لم تتحقق أركانه.
فإن الذي يذهب على رجليه حرًا مختارًا إلى محاكم القانون ومؤسسات تشريعه وتنفيذه - دون أن يكون أسيرًا بيد العدو، مرغما على ذلك بالقوة - هو في حقيقة الأمر من الراضين بالتحاكم إلى غير ما أنزل الله، وهو بذلك كافر بالله لهذا الاعتبار، ولو ادعى أنه غير راض بذلك، والحكم عليه بالكفر إنما هو على الظاهر، لأننا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس [1] .
واعلموا أن حمل الشعارات والاغترار بها؛ هو دين كل شيطان مارد، وقديما قالت اليهود والنصارى: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} ، {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} ، فلم تغن عنهم دعواهم تلك من الله شيئًا، بل كانوا في حكم الله من الكافرين ومن أصحاب الجحيم.
وهؤلاء مع ما يستحلونه من التحاكم إلى القوانين، يقولون عن أنفسهم بأنهم أهل الجهاد والتوحيد والسنة والجماعة والطائفة المنصورة، وكذبوا - والله - في دعواهم تلك، كما كذبت اليهود والنصارى ممن استنوا بسنتهم واتبعوا سبيلهم، فإن الذي لا يخرج على القانون وحكامه في مخالفة واحدة يدعون الناس إليها ويزينونهها إليهم من غير إكراه لهم عليهم، فكيف له - يا ترى - أن يخرج عليهم في كل ما يدعونه إليه من أنواع الكفر والفسوق والعصيان؟! بل كيف له أن يخرج عليهم جملة ويقاتلهم على كفرهم قتال المؤمنين للكافرين والموحدين للمشركين؟!
فهؤلاء - والله - مع تلك الدعاوى الكبيرة والشعارات العريضة لا يجاوز حالهم حال المنافقين ممن يزعم الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو في ذلك كاذب أفاك، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ
(1) لو قال المصنف أنه ارتكب بذلك مكفرا ولكن لا يكفر حتى ينظر في الشروط والموانع لكان كلامه أمنع للفرق بين تكفير الفعل وتكفير الفاعل، فلا بد من مراعات الإستضعاف وعدم وجود دار إسلام وسلطان لحكم الله والتأويل الذي هو عند أكثر الخلق بأنهم مكرهين على التحاكم في ظل غياب شرع الله -ولو كانوا مخطئين في تأويلهم- لأن الإكراه من الفروع الفقهية التي اختلف العلماء في شروطها وحدها وهو من الفروع التي يعذر الجاهل بحدها. [منبر التوحيد والجهاد]