الكتاب بلغنا منه خمسة أجزاء من جملة مائة في الأصل وقد طبعت هذه الأجزاء من قريب ولم أقف فيها على هذا الحديث، فهو في عداد المفقود وليس في كتب الحديث منه شيء وهذا من أعظم الأدلة على بطلانه لأن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونصه كما نقله ابن رجب عن الدارقطني من طريق أحمد بن محمد بن غالب الباهلي بسنده عن ابن عباسٍ، قال:"أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بمكة ولا يبين لهم، وكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد، فانظر اليوم الذي تجمر فيه اليهود لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين. قال: فهو أول من جمع مصعب بن عمير، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك". قال الحافظ ابن رجب عقبه:"وهذا إسنادٌ موضوع، والباهلي هو غلام خليلٍ، كذاب مشهور بالكذب، وإنما هذا أصله من مراسيل الزهري"وذكر رحمه الله مرسل الزهري وفيه أن مصعب بن عمير رضي الله عنه"استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بهم، فأذن له".
فهذا الحديث المفقود لو لم يكن موضوعا لما كان فيه حجة على ما ذكر القدسي، لأنه يدل صراحة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع صلاتها وأذن بذلك لبقية الصحابة ويؤكد ذلك مرسل الزهري الذي هو أصل هذا الحديث الموضوع، والإذن يدل على الاستحباب ولا يدل على الوجوب وقد ذكر هذا المعنى المباركفوري في شرحه على الترمذي (9/ 291) ، فكيف وقد عرفت حال هذا الحديث!
ومثل هذا في الضعف وعدم الدلالة على ما ذكره القدسي ما رواه الطبراني في الأوسط (14/ 54) عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال:"أول من قدم من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة، جمعهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم"، وقد اتفق الأئمة على ضعف هذا الأثر لأن مداره على صالح بن أبى الأخضر وهو ضعيف.
ولو قال القدسي أن الذي صلى بالصحابة في المدينة هو الأسعد بن زرارة رضي الله عنه لكان أقرب إلى الصواب، لما ورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه:"أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ قال أربعون"رواه أبو داود واللفظ له وابن ماجه وفيه أنه