"كان أول من صلى صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة"، ومدار الحديث على محمد بن اسحاق وهو حديث حسن لتصريحه بالتحديث في رواية الدارقطني وغيره، إلا أن هذه الرواية ليس فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليها في مكة ولا ما يدل على أن الأمر حين ذلك كان على الوجوب بل إن انفضاض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عنه يدل على أنهم ما كانوا يرون في تركها شيء حتى أنزل الله عز وجل {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} وقد ورد هذا المعنى في مراسيل أبي داود عن مقاتل (1/ 74) وذكره القرطبي في تفسيره (18/ 110) وهو الأليق بمقام الصحابة رضوان الله عليهم.
وفي مصنف عبد الرزاق (3/ 159) بسنده عن ابن سيرين أن الصحابة اجتمعوا على الأسعد بن زرارة رضي الله عنهم باجتهاد منهم حتى أنزل الله تعالى سورة الجمعة وابن سيرين أعلى طبقة من الزهري وأكثر رواية عن الصحابة منه وهذا المرسل أقرب إلى الصحة لموافقته الحديث الصحيح، فتأمل!
ثم إن الحافظ ابن رجب رحمه الله ذكر قولا آخر في الباب وهو أن الجمعة فرضت في مكة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلّيها هناك!
فإذا وقفت على حال هذه السنة المزعومة التي عطل بها القدسي هذه الشعيرة العظيمة وشذوذ تصحيحها علمت أن ما أنشأه بعد ذلك من قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم تعمد ترك صلاة الجمعة في مكة بعد أن فرضها الله عليه وأن العلماء استنتجوا أحكاما وشروطا من ذلك، غير معقول ولا منقول بل هو وضعٌ وبهتان على العلماء من جنس وضع غلام خليل الباهلي لرواياته، وإلا لِمَ لم يسمّ لنا من هؤلاء العلماء أو حتى واحدا منهم نستأنس بقوله للعمل بمثل هذه الفتوى الخطيرة والنازلة العامة؟! السبب في ذلك أن أهل العلم استنبطوا أحكام الجمعة وشروطها من السنن الثابتة، حقا وصدقا، في الصحيحين وغيرهما وما كانوا ليستنبطوها من المراسيل والموضوعات فيعطلوا بها أحكام الشريعة، وحتى من تعرض منهم إلى مسألة عدم صلاته صلى الله عليه وسلم الجمعة بمكة فإنه وجّهها وفقا للشروط الصحيحة والآثار الثابتة، وكلامهم في هذا لا يخرج عن هذه الأقوال:
الأول: أن صلاتها في المدينة قبل الهجرة كان على وجه الندب والاستحباب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه الحجاوي في متن الإقناع (1/ 189) حيث قال رحمه الله:"وقال الشيخ: فعلت بمكة على صفة الجواز،"