فهرس الكتاب
ومن اجتهد فأخطأ فقد أجر أجرًا واحدًا لاجتهاده ولم يأثم لخطئه ... والدليل على ذلك قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهما شاهدين* ففهمناها سليمان) [الأنبياء78-79] ، قال الحسن البصري رحمه الله: (( حمد الله سليمان على إصابته وأثنى علىداود لاجتهاده ولولا ذلك لضل الحكام ) ) [1] .
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالمجتهد المستدل -من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك- إذا اجتهد واستدل، فاتقى الله ما استطاع، كان هذا هو الذي كلفه الله إياه، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة خلافًا للجهمية المجبرة، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر، وقد لا يعلمه خلافًا للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب [2] .
وقال ابن حزم: لم يأمر الله تعالى قط الحاكم بإصابة الحق لأنه تكليف ما ليس في وسعه، إنما أمره بالحكم بالبينة العادلة عنده، أو اليمين أو الإقرار أو بعلمه، فما حكم به من ذلك في موضعه فقد حكم بيقين الحق، أصاب صاحب الحق أو لم يصب [3] .
وقول ابن حزم: (أو بعلمه) هو خلاف القول المختار، فإن القاضي والحاكم لا يجوز له أن يقضي بعلمه، لكن لايجوز له أن يحكم بخلافه، والمسألة من مسائل الخلاف.
وقال: ليس كل من اجتهد واستدل ليتمكن من معرفة الحق، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورًا به أو فعل محظورًا [4] .
المقدمة الثانية:
لا يؤثم المخطأ من المجتهدين في هذه الأمة لا في الأصول ولا في الفروع (عبيد الله بن الحسن العنبري) [5] .
قال ابن تيمية: هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي (إمام أهل الظاهر) وغيرهم: لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا لا في المسائل الأصولية ولا في الفرعية، كما ذكر ذلك ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ويصححون الصلاة خلفهم، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلى خلفه.
وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين، أنهم لايكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألةعملية ولا علمية. قالوا: والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن
(1) إحكام الفصول في إحكام الأصول للإمام البجي ص708-709. ومحقق الكتاب هو عبد المجيد التركي وهو دكتور محاضر بجامعة السربون وهو من أكابر المجرمين من العلمانيين الذين يعتبرون أن القرآن كتاب مواعظ خلقية وليس كتاب أحكام وشرع، فليحذر مقدمة كتابه هذا ومن كتابه الآخر"مناظرة في أصول الشريعة الإسلامية بين ابن حزم والباجي"... فهو يقول: ولست أتردد لحظة في أن أرد ما لله لله وما لقيصر لقيصر.
(2) منهاج السنة النبوية5/ 111.
(3) الإحكام في أصول الأحكام5/ 77.
(4) منهاج السنة5/ 98.
(5) السابق5/ 78.