الصفحة 26 من 47

رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قل أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون) [1] . وفي رواية للنيسابوري أن ابن عمر قال: (رأيت عبد الله بن أبيّ يسر قدام النبي صلى الله عليه وسلم والحجارة تَنْكُتُهُ، الحديث) [2] . قال قتادة: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين، إذ قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات له ذلك، فأطلع الله نبيه على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:(احبسوا علي الركب) ، فأتاهم فقال: (قلتم كذا وكذا) . فقالوا: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فأنزل الله تعالى هذه الآية [3] . وفي رواية: عن زيد بن أسلم، ومحمد بن كعب أنهما قالا: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسُنًا، ولا أجبن عند اللقاء، -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه- فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال:(أبا الله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، إن يعف عن طائفة منكم تعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) . وإن رجليه لتَنْسِفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بنَسْعَة رسول الله صلى الله عليه وسلم) [4] . قال ابن إسحاق: (وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بني عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له بن حميّر يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون أن جِلاَد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرّنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مخشن بن حميّر: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني- لعمار بن ياسر:(أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا) ، فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت-ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول-وهو آخذ بحَقَبها-: يا رسول الله؛ إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله-عز وجل-: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) . فقال مخشن بن حميّر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يُقتل شهيدًا لا يُعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر) [5] وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: (كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية وأنا أعنى بها تقسعر منها الجلود وتجَل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك، لا يقول أحد أنا غَسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره) . ومنه ما حدث في الطريق إلى تبوك لما ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال زيد اللُّصَيْت-وكان منافقًا-: (أليس يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن رجلًا يقول وذكر مقالته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، هي في الوادي في شِعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها) . فذهبوا فأتوه بها) [6] . فهؤلاء لم يشفع لهم مسيرهم للجهاد حين استهزأوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام بل قال لهم: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . ونقل القرطبي عن القاضي ابن العربي-وهو يشرح موقف المستهزئين في غزوة تبوك- قوله: (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جادًا أو هزلًا، وهو كيفما كان كُفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق

(1) رواه ابن أبي حاتم (4/ 63) . الحديث رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد كما في (الميزان) . وأخرجه الطبري من طريقه (10/ 172) . وله شاهد حسن عند ابن أبي حاتم (4/ 64) . من حديث كعب بن مالك. انظر: (الصحيح المسند من أسباب النزول) (ص 122/ 123) .

(2) النيسابوري في (أسبابه) (ص 211/ 212) . والسيوطي (ص 142) . و (تسهيل الوصول) (ص 177) . وفي إسناد النيسابوري إسماعيل بن داود وهو ضعيف. ذكره ابن حبان في (المجروحين) (1/ 129) . وذكر هذا الحديث من منكراته. وعزاه في الدر (3/ 259) . (لابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في(الضعفاء) . وأبي الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواة مالك). وذكره الواحدي في (أسبابه) (ص256/ رقم: 513) .

(3) مرسل، انظره في (تفسير) الطبري (10/ 172) . و (تفسير) ابن كثير (4/ 112) . و (أسباب النزول) للواحدي (ص250/ أو: 255) . وعزاه في (الدر) (3/ 254) . لابن المنذر وابن حاتم وأبي الشيخ.

(4) انظر: (تفسير) الطبري (10/ 173) . و (تفسير) ابن كثير (4/ 111) . و (أسباب النزول) للواحدي (ص 250/ أو: 255/ 256/ رقم: 512) . بدون إسناد.

(5) هذا مرسل. انظره في (السيرة النبوية) لابن هشاه (4/ 168) . و (تفسير ابن كثير) (4/ 112) .

(6) انظر: (السيرة النبوية) لابن هشام (4/ 166) . و (زاد المعاد) (3/ 533) . قال الأرناؤوطيان: (ابن هشان(2/ 523) عن ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني الأشهل. ورجاله ثقات).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت