وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [1] .. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [2] .. وقال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [3] .. وقال تعالى: {مَّاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [4] .
والفعل بعد (كلما) يتكرر بتكررها فمن ادعى خبوة للنار نهائية تفنى بها ليس بعده سعير يرد عليه بهذه الآية.
ولو قيل للعبد: كلما جاء أحدهم أكرمه الله لزمه ذلك ولا حق له أن يعتذر بأنه لم يفهم التكرار.
وقد زعم ابن القيم رحمه الله أن النار تفنى [5] عندما ناقش الأدلة في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) وأيد رأيه بأن الله تعالى لا يخلف الميعاد بخلاف الوعيد فإنه لم يأت ما يدل على أنه لا يخلفه وخلف الوعيد من الصفات المحمودة كما قال الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وكان ابن القيم في أثناء كلامه يتحدى من يقول: إن الله أخبر أنه لا يخلف وعيده وما قاله مردود من وجوه.
الوجه الأول:
أنا لو تمسكنا بما ذكر لجاز أن يقال: لا يدخل النار كافر لجواز إخلاف الإيعاد وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص وما فهمه العلماء.
الثاني:
إننا لا نسلم أنه ليس في كتاب الله ما يدل على أنه لا يخلف وعيده بالنسبة للكفار بل صرحت الأدلة بلزومه كما قال تعالى: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ
(1) الزخرف: 74 - 75.
(2) سورة الفرقان: 65.
(3) البقرة: 162.
(4) الأسراء: 97.
(5) لم يثبت القول بفناء النار عن ابن القيم كما تقدم إنما ساق أقوال العلماء موضحًا أوجه استدلالهم ولذلك جزم في كتابه الوابل الصيب أن النار لا تفنى فنسبة القول بفناء النار إلى ابن القيم أو إلى شيخه أو إلى أحد من الصحابة خطأ وإنما سقنا كلام الشنقيطي هنا لأنه فيه رد على من قال بفناء النار كائنًا من كان أما ابن القيم وشيخه فهما بريئان من هذا القول والله أعلم.