فهرس الكتاب
إن الله سبحانه وتعالى قد عظَّم قدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بطاعته، ورد الأمر إليه فقال سبحانه وتعالى: (( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) )سورة الحشر، آيه 7. وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا ) )سورة النساء، آية 59. ويقول تعالى: (( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا ) )سورة النساء، آية 65.
هذا النبي الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - لا يجوز غمزه ولا الاستهزاء به، فمن فعل ذلك فقد كفر بالله وخرج من الملة، وإليك طرف من صور الاستهزاء بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
1)في غزوة تبوك التي حل بالمسلمين فيها من النصب والتعب والجوع والعطش الشئ الكثير: استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم من استهزأ، فنزل الوحي من فوق سبع سماوات يعلن كفر هؤلاء المستهزئين: قال تعالى: (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) )سورة التوبة، الآيتان 65، 66.
ورد في سبب نزولها عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قرآءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عن اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يارسول الله؛ إنما كنا نخوض ونلعب فقال: (( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون ) )إلى قوله (( مجرمين ) ). وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم (35) .
وقال قتادة: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وبين يديه ناس من المنافقين إذ قالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات له ذلك! فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (( احبسوا علىَّ الركب ) )فأتاهم فقال: (( قلتم كذا وكذا ) )، فقالوا يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تعالى هذه الآية (36) .
قال ابن إسحاق: (وقد كان جماعة من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بني عمرو بن عوف ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشن بن حميّر يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون أن جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مخشن بن حميّر: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر:(( أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا ) )فانطلق إليهم عمّار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت - ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول - وهو آخذ بحقبها: يارسول الله؛ إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله - عز وجل: (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) ).
فقال مخشن بن حمير: يارسول الله؛ قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشن بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يُقتل شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر) (37) .
2)ومن صور الاستهزاء: ماحدث - أيضًا - في الطريق إلى تبوك حيث ضلت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال زيد بن اللُّصيت - وكان منافقًا: أليس يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رجلًا يقول وذكر مقالته، وإني والله لا أعلم إلا ماعلمني الله، وقد دلني الله عليها، هي في الوادي في شِعْب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوني بها فذهبوا فأتوه بها (38) .
3)ولقد تبجح المستهزءون برسول الله صلى الله عليه وسلم في عصرنا الحاضر بألفاظ كفرية ملحدة، تقشعر منها الأبدان، ومن ذلك شعراء الحداثة - إن كان يصح تسميتهم بشعراء - فقد وقعوا فريسة للأفكار الإباحية الكفرية التي استوردت من مذاهب أدبية غربية وشرقية كافرة.
إنهم من بني جلدتنا ويتسمون بأسمائنا، وهم أخطر على ديننا من أعدائه الأصليين، هذا شويعر اسمه محمد جبر الحربي يقول وبئس ما يقول: أرضنا البيد غارقة، طوف الليل أرجاءها، وكساها بعسجده الهاشمي، فدانت لعاداته معبدا. (39)
ترى هل عرفت هذه الأرض غير محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الهاشمي الذي أخرج الله به هذه الأمة من الجاهلية إلى الإسلام، ثم يتجرأ هذا الوغد فيطلق على ديننا اسم الليل والظلام؟!
4)ومن صور الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ما رسمه صلاح جاهين رسام الكاريكاتير المعروف حيث صور صورة هزلية في جريدة الأهرام رسم فيها رجلًا بدويًا يرمز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حمارًا في وضع مقلوب ليكون رمزًا للرجعية، وفي أرضية الصورة ديك وتسع دجاجات وعنوان الرسم محمد أفندي جوز التسعة (40) . وهذا من أقبح الهجوم والاستهزاء والسخرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
5)ومن السخرية بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما هزأ به محمد الغزالي حيث أورد حديث: (( لن يفلح قومٌ ولَّوْا أمرهم امرأة ) ). يسخر من هذا الحديث، ويذكر أن بلقيس وفكتوريا وأنديرا غاندي وجولدا مائير قد أفلحن بأممهم إلى آخر ما ذكر (41) مع أن الحديث مخرج في صحيح البخاري.
6)ومن السخرية برسول الله صلى الله عليه وسلم السخرية بالرجال الذين حملوا دينه، ومن ذلك أن غِرًّا حداثيًا كتب ساخرًا يقول: حدثنا محبط بن محبط عن جاهل (42) !
وزميل له يقول: حدثنا الشيخ إمام عن صالح عبد الحي عن سيد بن درويش عن أبيه عن جده (43) . وهذا منتهى الجرأة على حملة دين الله الذين هم رجال الإسناد، تلك المفخرة العجيبة لهذه الأمة التي لم تستطع أمة في الأرض، أن تنال مثل شرف علم الرواية وتمحيص رجال الإسناد للأقوال فكانت هذه المنقبة مأدبة سخرية عند دهاقنة العبث والإلحاد.
7)كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - دقيق الساقين، وقد خرج في أحد الأيام يجتنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكًا من الآراك، وكانت الرياح تكفؤُهُ بسبب دقة ساقيه فضحك القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي في يده لهما أثقل في الميزان من أحد ) ) (44) .
8)وهذا كاتب ساخر يهزأ بأبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - فيقول: (عادل إمام مثل أبي ذر الغفاري، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده) (45) . وهكذا يُشَبه رمز من رموز العفن الفني وأصحاب السقوط الأخلاقي وسفِلةِ الناس بأصحاب رسول الله الأبرار الأطهار؟!
(35) تفسير الطبري 10/ 173، وتفسير ابن كثير 4/ 111 وأسباب النزول للواحدي ص 250.
(36) تفسير الطبري 10/ 172، وتفسير ابن كثير 4/ 112 وأسباب النزول للواحدي ص 250.
(37) السيرة النبوية لابن هشام 4/ 168 وتفسير ابن كثير 4/ 112.
(38) السيرة لأبن هشام 4/ 166 وزاد المعاد 3/ 533 قال محققه: ورجال سنده ثقات.
(39) مجلة اليمامة عدد 887، وجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 15/ 8/1407هـ نقلًا عن الحداثة للقرني ص 69.
(40) واقعنا المعاصر للأستاذ محمد قطب ص 358.
(41) السنة النبوية من ص 50 -51.
(42) الحداثة للقرني ص 138، نقلًا عن عكاظ عدد 7601.
(43) المصدر السابق ص 71 نقلًا عن مجلة الشرق عدد 362.
(44) فضائل الصحابة للإمام أحمد 2/ 843، وقال محققه: إسناده حسن، والمسند 1/ 421.
(45) مجلة المصور عدد 3507.